الثورة وملامح التغيير الحضاري

الثورة وملامح التغيير الحضاري

لتحميل الدراسة بصيغة الpdf يرجى الضغط على الرابط التالي: الثورة وملامح التغيير الحضاري

هي ثورة العزة والكرامة و التوق إلى العدل والحرية. هكذا تؤكد حناجر الثورة وتعليقات ناشطيها وحديثهم لأنفسهم في خاصة أمرهم. وهذا سرّ الإقدام والثبات والتصميم. ويبقى السؤال فيما إذا كان في هذا مؤشرات تغيير حضاري أم أنه كذا شعور طافٍ وتعايش أثيري. وفي أي محاولةٍ للكتابة يسأل المرء نفسه كيف لا نقع في التفكير الرغائبي انعكاساً للآلام والأثمان، وكيف نبيّن الرؤيا محجّةً بيضاء حتى لا تطوينا عجلة الزمن وصروف الزمان. ولعل الأجوبة هي تحت الأنامل تحول بديهيتُها عن صياغتها صياغة نظرية محكمة.

وحين نتكلّم في الصعيد حضاري، هناك خطر أن نضيع في شعاب هذا الفضاء التحليلي الفسيح، فنصفه جملةً ونعجز عن وصفه تفصيلاً بأبعاده المتعاضدة. وثمة خطر آخر، أن تدعو سعة هذا الأمر إلى الركون إلى أمل التراكم الزماني لا يلبث أن تمحوه أمواجٌ جديدة من التحدّيات. فكيف نمسك بما هو طويل الأمد بطبيعته فنرقُمه رقماً خفيفاً كي نستطيع التقاط أطرافه، فنستثمر انعكاساته اللحظية قصداً للسبيل ومساهمةً في توجيهها نحوه، تاركين لتدفّقه الهادر –الذي لا يمكن التنبؤ به حتماً ولا التحكّم بمساراته قطعاً– أن يفتح نوافذ جديدة ويُنشئ خلقاً مستأنفاً.

التحدّي هو أن يسبر تحليلُنا الظاهرة في أعماقها متجاوزاً لقشرتها، وأن لا تشغله تعرّجات الغلاف وتعفّنات السطح عمّا يختمر في الأعماق. والمطلوب هو إدراك أن التخلية شرط ضروري قبل التحلية، وأنّ الانهدامات هي جزء من صيرورة الخروج ما دامت براعم البدائل لا تبغي العبثية لا تنظيراً ولا فعلاً.  

والكلام هنا عن ثورةٍ بعينها، هي ثورة لسان العرب وأهله وبلاده بعد قرن من الزمان طُبع بالحيرة والتجريب والاستعارة والتقليد. قرن تتطلّع فيه حضارة المسلمين إلى عودة أصيلة، وهذه العودة مفتقرة ضرورةً إلى ذاك اللسان الذي يسمح بالاتصال بمنبع الإلهام ومنارة هداية الفكر والعمل. وبرغم أنه ما كان لجهود التجديد الحضاري الأصيل أن تنعدم في أي حقبة زمنية، لكن الجديد في ثورة هذه الأيام هو المدى الذي أخذته حوافز التغيير على صُعدٍ متعددة شاملة للجغرافية والشرائح العُمرية وطبقات المجتمع. الثورة العربية بفصائلها المختلفة في عدة بلدان ‑أو قل ثورة العروبة التي خلعت جاهليتها‑ وجدت نفسها ثانية في قلب خطاب الإسلام... هذه الثورة هي حديثنا في هذا المقال، نحاول سبر أعماقها مدركين في آنٍ أوجه القصور وكمون المستقبل، ونتلمّس من خلال فاعلياتها ملامح تغيير حضاري نُسلّم بأنه جزء من قدر الأمة.

أولاً: الكشف والانكشاف

لا بدّ من تذكير أنفسنا بأن الثورة العربية كانت كاشفة فاضحة... كشفت العوار والنقص و فضحت الخَوَر والخيانة. ولا نذكر ذلك على سبيل التشفّي ومنابذة الفرقاء، ولا على سبيل التشاؤم الذي ينحر الذات ويتّخذ ظهور العيوب دليلاً على الفساد الجوهري. وإنما نذكر ذلك من أوجه ثلاثة: الأول هو أن هذا الادراك العمومي ما كان ليتحقّق من خلال جهدٍ توعويٍ منظّم مهما بلغ. الثاني هو التواقت، فلم يتمّ انكشاف الأمور على حقيقتها في حقلٍ واحدٍ من حقول الحياة، بل كان شاملاً لمعظم أوجهها. الثالث هو إدراك أن زوال الخبث مطلوبٌ قبل إحلال النافع، بمعنى أن جهود الإصلاح الجمّة التي استعصت الاستفادة منها تحتاج انكشاف الجرح من أجل تقبّلٍ أفضل للدواء ورمي المخلّفات المعيقة.

وقد يقال كيف هذا والفضاء العام حافل بالاختلاط والتنابز. ونحن نرى هذا من نزعات المرض وقساوة المعاناة. ودوماً هناك أفراد هَمَل لا يصلحون لشيء، والمعتبر هنا هو الحال العام. والانكشاف والفضيحة في الملأ لا تنفي أنّ الذي يعاني توترات الصدمة ما زال عاجزاً عن التصويب الدقيق لسببين: لأن بدائل المستقبل هي ملامح فحسب وليست خططاً يركن إليها المكلوم؛ ولأن صيرورة الكشف والفضيحة لم تبلغ مداها وإن ظهر جلّها. 

وهكذا ما زلنا نعيش حال انهداماتٍ متتابعة لكلّ قعر نصل إليه، فتزيد في التبيين وتخلع حُجباً عن مواطن الخلل. وما دام التغيير غير منحصر في محلةٍ أو مِصر، فإن توالي الانكشاف شيءٌ طبيعي، فما توافرت له عوامل السقوط في بقعةٍ قد تتخلّف عوامل سقوطه في بقعة أخرى إلى حين.

ومجمل هذا، وبعد انسداد كل آفاق الإصلاح، المتدرّج منها والجازم و الجذري منها والانتقائي، أصبحت الخساراتُ الظاهرية ضروراتٍ عمليةٍ استراتيجية.

ثانياً: ترهّل الإيديولوجيات الإسلامية

إذا اعتبرنا أن الإيديولوجيات هي اختزال لا مناص منه عند النزول إلى السياسي، تأزّم الإيديولوجيات يمكن أن يأكل المحضن الفلسفي. غير أن هذا يحدث فقط إذا كنا نتحرك في مستوى أحادي. أما لأمة ثلاثية الأبعاد فتأزّم الإديولوجيا يدفع نحو المَنبت الأصل. وثلاثة أبعاد الأمة هي: (1) الواقع البشري الحاضر الشاخص عدداً (ربع سكان الأرض، والثلث هو نقطة تحوّل) والشاخص اتساعاً، فيدخل في أي معادلة على وجه الأرض؛ (2) الحقيقة العالمية الواسعة الذي تعيشيه مجتمعاتٌ ترى نفسها أنها مسلمة هويةً وقيماً وأعرافاً؛ (3) العمق التاريخي الذي تستغفر فيه الأمة لنفسها في الحاضر ولنفسها في الماضي، تعتبر العزَّ بن السلام عزّها وخيبةَ ملوك الطوائف خيبتها، ناهيك عن حبّ رسولها سيرةً وقدوةً ما زالت متألّقة لا تشبع من تكرار ذكرها.

وعلينا أن نُبرّد من غضبتنا من إيديولوجيات الحركات –المنغلقة منها والمنفتحة– وأن نعتبرها ظاهرةً طبيعية. غير أن المعوّل عليه هو الخروج من شرانق هذه الإديولوجيات خروجاً لا تطول فيه لافاعليةُ فترةِ خيبة الأمل ولا تستحكم فيه وسوسةُ مراجعاتٍ لا تنتهي وتصبح هدفاً بذاتها. الخروج من أسر الإيديولجيات كإطار –بغض النظر عن درجة صوابها– يمكن أن يُدخل الناس في متاهات اللاأدرية. ولكن ما دام هناك قرآنٌ حيّ تستغيث به الجموع، فالتيه احتمالٌ فحسب ما لم يبتعد عن حبل الله، والتيه يحدث عندما ينتج عن انفراطِ العقد ارتكاسٌ تشاؤمي أو إخلادٌ فردي.

وينفع أن نسرد بعض طبقات الإيديولوجيات التي تزعزعت فتساقطت لبناتها، تتنازعها ممانعاتُ التغيير من الداخل و قوى التحدّي المنافس من الخارج، إلى جانب صعوبة الإنبات الجديد.

1-    الجماعات الكبرى شمولية الطرح

خطاب الجماعات الكبرى كان له الفضل الأكبر في إخراج الفعل الإسلامي واهتماماته من حِلَق العلم وخلوات الصوامع إلى الحيّز المجتمعي الكبير بما في ذلك السياسي، ووازى خطابُ الجماعات خطابَ مفكرين ومصلحين مستقلّين غادروا محدودية اقتصار الاهتمام على المدرسي أو الروحي. وكان طرح المفكرين أعمق في حين أن طرح الجماعات أفعل.

غير أن شمولية برامج الجماعات الكبرى أوصلها التكامل إلى التآكل. وحيث أن هذه الجماعات كانت رداً طبيعياً يمتلك قدراً من النضج سابق للأقران في حقبة الاستعمار، فإنها تكلّست وأضحت في حال ما بعد الاستعمار –في بعض أوجهها على الأقل– أحفورةً متقدّدة. وإذ يمكن أن يبعث سمتُ هذه الجماعات شعور العزّة من أن الأمة لم تقف مكتوفة الأيدي وقامت ما بوسعها، لكن لم يعد ممكناً اتخاذها مركباً للخوض في لجّة المستقبل. هذا الإدراك يكاد يكون عاماً، والدفاع عن الماضي هو عجزٌ عن اقتحام المستقبل أو خمولُ اعتيادٍ وطول ممارسةٍ أكثر من رضى بما هو موجود.

لا بد أن تدرك الجماعات أن عقلية التبرير ينتج عنها ما لا يصدّقه حتى بعض من هو داخلها ناهيك عمّن هو خارجها، وأن تدرك أن الواقع أكبر منها لا يمكن أن تحيط به منفردة، وأن استيعاب الواقع لا فرار منه، وأن الإجابات الغيبية تُغيّب الحلول، وأن الفهم الرغبوي يمهّد للكارثة.

انفراط العقد بشكل مفاجئ ينتج عنه ثلاثة مخرجات:
أ)  نفورٌ حركيّ يوجّه أصحابه نحو مشاريع مخصوصة مبدعة أو شخصانية.

ب) نوى حركية متعدّدة تتشكل مع الزمن على شكل مشروع عملي أنضج وأقوم.

ج) هياكل قديمة خاوية غير قادرة على الإنجاز، معرّضة إلى أن تتحوّل إلى مكامن إعاقة يجري استغلالها من الخارج ككوابح دون خروج البدائل.

ومن الطبيعي هنا أن يتفعّل القانون الثنائي: الزبد يتبدّد وما ينفع يبقى. الجماعات في أصل فكرتها خروج عن النسق الفكري-الواقعي الذي فرضته فترة ما بعد الاستعمار. وها هي كثير من الجماعات لم تقف عند حدّ تبنّي قوالب الحداثة (بعد شيء من التعديل) بل استبطنت عناصر من نمطها السياسي على مستوى النموذج والفكر (ولفّقت فيما بدا فيه مصادمة صريحة)، فغلب الزبد على النفع فأحالت نفسها إلى الهوامش التي لا بدّ للأمة القائمة أن تتجاوزها.

والنتيجة النهائية لانهيار الأطر التنظيمية هي تحرير طاقاتٍ من جهة، وحفزٌ على الإبداع والتجريب من جهة ثانية. ويبرز هنا تحدّي الوجهة، فبقدر ما تستطيع الجهود الجديدة أن تستقيم على صراطٍ صلُحت قبلتُه بقدر ما يتبع ذلك رشدٌ في التوجّه يعتمد إنجازُه على ضبط الوسائل؛ وبقدر ما تعجز الجهود الجديدة عن تجذير نفسها برؤى تأسيسية بقدر ما تستمرّ عملية انهدام الحُجب التي تمنع نور الحق من السطوع.

2- التوجهات النصية

التوجهات النصية تشمل المذهبية المدرسية و المذهبية الفردية (= السلفية). وهي تعتزّ بما عندها من تراث الأجيال السابقة للأمة ومَن تعتبرهم قدواتٍ وقِمم. وتتراوح رؤاهم في التعامل مع الواقع الجديد بين حدّي التنقيب و التخريج. الأول مفاده أنّ الموروث الفقهي عنده الإجابات الكاملة وليس علينا إلا البحث عنها مشابهةً ومقايسة. أما مفاد الثاني فهو أنّ الموروث الفقهي عنده قدرة الإجابة، غير أنّ علينا تطويره تخريجاً على القديم. ومن شدّة التمسك بالموروث، يصعب على هذه التوجهات إدراك انّ جلّ ما في التراث غير قادر على الإجابة على معضلات زماننا، ويغيب عن الأذهان أن التغيرات التي حصلت هي تغيرات نوعية، وأنه لا بدّ من تطوير جديدٍ مستند إلى الأصلين وإن استأنس بالرصيد التراثي.

واقع الثورات فاجأ الجمود المذهبي المدرسي والجنوح المذهبي الفردي. فهرع كلٌّ منهما إلى استخراج أقوالٍ من المسطور في كتب الأولين وفق طريقته الخاصة. غير أنّ أجوبة الأقدمين كانت عن سلطات حكمٍ مسلمة ‑قصّرت ما قصّرت وظَلمت ما ظلمت‑ وليس عن سلطات حكمٍ طاغوتية تعادي الأمة وثقافتها وتاريخها، وتحاول اجتثاث هويتها. فكم في اعتبار الديكتاتورية الطاغوتية الحديثة أنها "صيال" من اختزال وسوء فهمٍ للواقع العالمي الحداثي، وكم فيه لمز لتاريخ الأمة أيضاً. وهكذا أخفقت مدارس النخب العلمائية من الطرفين في إعطاء أجوبة شافية، وربما تراشقا ‑سرّاً أو جهراً‑ تُهم المسؤولية عمّا يحدث. مشكلة هذين التوجهين أنهما لا يعطون مفهوم الزمن حقه من التفكير. فحين واجههم السياسي في صيغة الثورات العربية ‑وهو الحال الأكثر تعلّقاً بسياقٍ حاضرٍ وزمانٍ حاضرٍ تتضاءلت فيه فائدة الأجوبة التاريخية‑ انكشف قصور هذين التوجهين أيما انكشاف. وظهر لبديهة وسطيّ الناس أن المنطق المذهبي المدرسيّ يقترب من منطق التبرير الانهزامي، وأنّ المنطق السلفي العام يفتح باب الانزلاق في منطق الغلو الانتقامي.

وتعاني هذه التوجهات نوعاً من حال "التنافر المعرفي". فمن جهة، هي واثقة وثوقاً تماماً بأن ما عندها من تراكم تراثي عنده الأجوبة الناجزة، ومن جهة أخرى تشعر في قرارة نفسها عجزها عن تقديم أجوبة شافية.

وإذ تغضب هذه التوجهات من الواقع الذي فاجأها بما ليس عندها له أجوبة (رغم تأكيدها عكس ذلك)، فإنها تقع تحت ضغطين: واحدٌ باتجاه التجديد الفكري الداخلي فتدفع نفسها نحو ذلك بأقصى قدرٍ تسمح له مناهجها، وسيكون محدوداً حُكماً ولكن محموداً من ناحية أثره العام؛ الضغط الآخر يتجه نحو التعامل مع الواقع بجدّية أكبر، وهذا مما يوسّع ساحة الفهم ويدفع نحو المراجعات. ويغلب الواقعُ المتحرّك سكونيةَ التقعيد، فتهرع المذهبية المدرسية إلى الأصول والمقاصد، وتقفز المذهبية الفردية إلى نصوصٍ جديدة لم تكن في حيّز اعتبارها.

ومن الطبيعي هنا أن يتفعّل القانون الثنائي: الزبد يتبدّد وما ينفع يبقى. التوجّهان المذهبيان ينقلبان إلى أسر انسحابٍ واعتذارية أو غلوٍّ وانغلاقية. الإخفاق في معالجة الواقع إخفاقاً مريعاً يشهد عليه انفضاض التلامذة من جهة وبروز شكوك الإلحاد واللأدرية عند بعض العامة من جهة أخرى. وهكذا يغلب الزبد على النفع في حال الموقّعين عن رب العالمين فيجري تفعيل الأصلين ثانية لتستمرّ مسيرة الأمة التي كُتبت لها الغلبة.

النتيجة هو اتساع الحقل وتهويته ورمي المتآكل، برغم أن كل ذلك يحصل في إطار محدودٍ لا يفي بتمام الحاجة. وإذ يقصر عن الوفاء بكل ما يلزم، فإنه بارتقائه درجة يخفف المعوّقات السالبة. ولا يشمل ما ذكرناه هنا علماء السلطان ولا تجار الفتاوى فأمرهم مفضوح، وإنّ خُذلان هؤلاء في ساعات المواجهة يزيد في كشف الحجب على مستوى النظر وإن كان يعوّق الجهود على مستوى العمل.

3- المبادرات المتخصصة

المبادرات المتخصّصة هي تلك الجهود التي تعمل في مشاريع جزئية تراها حيوية. وكثيراً ما تغيب عن ذهن المراقب هذه المبادرات بسبب تعدّدها وصغر حجمها والمساحة المتواضعة التي تغطيها كلٌّ منها، غير أن مجموعها له وزنٌ لا يستهان به. وتعشق هذه المبادراتُ بُنَيّات إنتاجها الإبداعي وتنقطع إليها، فتشكّل رئاتِ تهويةٍ لمجموع الحركة العامة ومنصّاتِ تهيئةٍ لزيادة فاعلية المجتمع.

4- التوجهات الفكرية

نقصد بالتوجهات الفكرية ما أفردت همّها لذلك. ويحتاج الفكر إلى خلواتٍ من أجل صفاء الذهن، حتى إذا استغرق هزّته الكوارث فربطته ثانية بواقع الأمة الملتهب. وتنتصب أمام الفكر جبهاتٌ ثلاث، ويُطلب منه إعطاء القول الفصل فيها بعد شعورٍ خفي بأن في جعبة الفكر إجابات (جاهزة). فتجتمع في ساحة الفكر همومٌ ثلاثة: ترشيد القائم في ساحة العمل، وجلي صدأ المسلَّم به في ساحة النظر، ومقارعة المتربّص في ساحة النزال.

النتيجة هي نشاط فكري غير معهود من جهة، وصهر بين طبقات العلم من جهة أخرى. فالنشاط العلمي مثله مثل أي نشاط بشري يميل بعد نموه إلى الثقة بإنتاجه وإلى قناعته بخطاب ذاته. غير أنه في ساعات المحن يُطلب منه أن يغادر ساحات راحته وأن ينزل الوغى. ويستجيب الفكرُ على طريقته الخاصة، يُغير صُبحاً أبلجاً لم يعتد المتحركّون نسقه، ويتوسّط الجمع يقارع في كل الاتجاهات تجريداً وتنزيلاً، ويعدو ضبحاً بفئاتٍ تحليلية غائبة عن الأذهان، فيوري حقائقَ كانت مغيّبة.

5- التوجهات الصوفية

تتأكد عند التوجهات الصوفية في أيام الكوارث فضيلة الانعزال، فتشكّل جحوراً يختبئ فيها الإيمان الذي يئنّ ضعفاً. وبرغم فرارها من زحف الباطل (وبغض النظر عن الاعتذار عنه من بعض رموزها) فإنها بمجموعها تُمدّد ساحة التوكّل الخامل الذي ينتظر عدواً خارجياً يوقظه، أو طائفيةً داخليةً تُفزعه، فتنكشف الحجب ويتألق عرفانٌ من نوعٍ جديد.

6- جماعات الغلو

إذا كان التيار العام يمشي باتجاه خدمة الأمة، وفق طريقته وضمن محدداته وحدوده، غير أن هناك تياراً آخر معاكساً لتيار الفاعلية والبناء على الأصول، يتطلّع إلى حلولٍ وقتية عاجلة فيتوجه نحو الغلّو. وبقدر ما تعجز التياراتُ الدائمة (الخمسة أعلاه) واقعياً عن معالجة القضايا الكبرى للأمة بقدر ما تنفسح فرصٌ للغلوّ ترتبك فيه الأولويات، ويجري الزهد بالأمة كحاملٍ حاضنٍ لقيم الإسلام.

والسنّة المجتمعية في ذلك هو أنه حين تعجز الأطر الرسمية عن القيام بشيء حيوي للمجتمع، يفرز المجتمع جماعاتٍ (تطوعية-فدائية) تقوم بالواجب نيابة. وسرعان ما تزول عنها طهوريّتها وتنغمس في مصالحها الخاصة. وإذا أضيف لذلك بُعدٌ نصيّ، كان الناتج غلوّاً مدعّماً بإيديولوجيا لا يقف عند حدود المصلحة الذاتية. وفي حالة كون صيغة التحرّك أقلوية أو طائفية، فإنها تتميّز بتبرير الانحراف الكامل عن أي ضوابط أخلاقية بناء على الخوف الوجودي وتصوّر تهديد الانقراض والزوال. 

وبشكل عام، الثقافة السنيّة منيعة على شعور التهديد الوجودي بسبب مخيالها عن نفسها أنها هي التي تمثّل الأمة الممتدة زماناً ومكاناً. غير أنه في حال التفريط الكامل مِن قِبل الموقّعين عن رب العالمين وفي حال الغياب الكامل للمرابطين المدافعين عن الثغور، فإن مجموعاتٍ مختلفة تشعر أن ثمة فرضاً كفائياً لا يقوم به أحد، فتضطلع به بغض النظر عن استعدادها وكفاءتها وصواب رؤيتها. وتتراوح هذه الإجابات بين كونها جهادية عامة تتوجه آنياً لمحاولة الدفاع عن البيضة والعمل نيابة عن الأمة المغيّبة، وبين كونها خارجية الطبيعة (تخرج عن الأمة وعن ضوابط شرعتها) يحدوها الانتقام من العدو الذي أذلّ الكرام وتحسب أن أولي القربى هم أولى بالانتقام.

الخلاصة

تتطور الأطر الناظمة لجهود فئات العاملين في غمرة مواجهة الواقع دائم التغيّر. وتتراوح درجات تبلورها المؤسسي فتتفاوت فيما بينها وفق بعدين اثنين: درجة المأسسة ودرجة ضمّ أفرادٍ من خاصة القوم أو عامتهم. وبقدر ما تتعدّد هذه الأطر وتكون سابغة للفضاء العام بقدر ما تشكل شبكاتٍ بديلة تحمي حياة الناس إذا انفرط العقد السياسي الكبير. وكثيراً ما تعجز الأطر عن تجديد نفسها وتوسيع منظورها. وفي غمرة الحركة والمواجهة، كثيراً ما يجري التعلّق بالوسائل المعروفة، تلك الوسائل التي لا بدّ أن يكون قد غشاها الصدأ وفقدت فاعليتها مع تطور الحال، فتستحكم عطالتُها بمرور الزمان ويتخلّف الإبداع، وربما تغدو الوسائل بمنزلة الأهداف. وكقاعدة عامة، إذا كان التغيّر نوعياً، لزم زوال الأطر ولم ينفع رقعها لأنه عند ذلك تصبح حابسةً للكمون مانعةً من انطلاقه.

وثمة تدافع بين التوجهات المذكورة أعلاه، ينتج عنه هي انزياحٌ مستمر نحو المركزِ الأصلِ الملهِم القادرِ على إنارة طريق المستقبل. ومنطق التاريخ هنا أنه من لا يجاهد ويقدّم ما بوسعه يُحيله الواقع إلى الهوامش وتأخذ مكانه قوى أخرى. ومن التوجهات المذكورة أعلاه، يظهر من بين الأربعة الأولى مَن يساهم في المسيرة، أما الخامسة فيمكن أن تبقى في زوايا التواري.

غير أنه علينا هنا التفريق بين تموضع التصوّف والطقسيّة في المجتمعات العربية مقابل تموضعه في المجتمعات الأعجمية التي لا تتكلّم لغة القرآن. فالتديّن في المجتمعات العجمية يسري ضرورة ضمن مسارب طقسيّة طُرقية، حيث أنّ الطقوس و الطريقة لازمة في غياب المقدرة على الاتصال المباشر مع البيان القرآني بلغة تنزيله. أي أنّ هناك حاجة إلى رتابة دينية عامة في الحالة الأعجمية. وهذا أمر بديهي يسهل أن يغيب عن الضالع في العربية. فالعارف بالعربية يطير مع معاني الآيات بنصّها الإعجازي وبيانها المتفرّد، أما الأعجمي فيحتاج وسائل مساعدة مشهورة عند مختلف الأقوام، أولها هو تكرار العبارات القصيرة لتصبح سهلة الاستحضار والفهم (الجزئي)، وثانيها هو جعلها إيقاعاً يفتح نوافذ دخولٍ إلى النفس غير نافذة الفهم.

وفي حين أنّ التصوّف رافد مُرطّب في المجتمعات العربية، يستجيب لاحتياجاتٍ نفسية معروفة على المستوى الفردي، وينشط خاصة في الهوامش غير المثقفة على المستوى الجماعي؛ التصوّفُ في المجتمعات الأعجمية مِلاطٌ أساسي. ويبقى التصوّف راكداً في بلاد العجم إلى أن تدفعه نحو الجهاد موجباتٌ مِلّية/إثنية أو اعتداء خارجي. أما في بلاد العرب فيقتصر تبنّي الجهاد على حالة مواجهة عدوّ خارجي يُصنّف بأنه كافر.

ويجدر التنبيه هنا إلى أنّ الطائفة القائمة على الحق لا يُمكن أن تكون جماعةً أو جهداً تنظيمياً بعينه، وهو المخيال الذي قد تستبطنه خصوصاً وعلى مستوى اللاوعي توجهاتٌ ثلاثة: (1) الحركاتُ عزّةً بثباتها أو عُجباً بإنجازها ومناكفتها للغالب؛ (2) مجموعات العلماء وتلامذتهم بناءً على قيمة التراث الذي يدافعون عنه؛ (3) الجماعات الجهادية بناءً على مقارعتهم الباطل.

 ولا يستقيم إلا أن يكون مفهوم الطائفة القائمة على الحق التي لا يضرّها من خالفها مشتقّاً من مفهوم الأمة نفسها. وما دام مصطلح الأمة لا يعني مجموعةً بعينها ولا ينحصر بالأمة السياسية وإنما ينطق بالأمة كمعنى مجردٍ حاضنٍ لقيم الإسلام من جهة و كانزٍ لتاريخها من جهة أخرى... ما دام هذا هو الذي يستقيم من معنى الأمة –وإلا لانصرف المعنى إلى قيعان اختصاص الحقّ بقومٍ معيّنين أحباء لله من دون الناس— فإن الجماعة القائمة على الحق ليست إلا انعكاساً لمعنى الأمة بتلوّنها وطيف اجتهاداتها، فلا يمكن أن تنحصر في إطارٍ وتنظيمٍ وجماعة، ولا بدّ للهياكل من أن تنفرط في لحظاتٍ حاسمة ليتمّ الشرط الموضوعي في تخلُّق الحقّ نشأةً مستأنفة.

ثالثاً: الشكوك و تخلخل العادات والطقوس

تحيط بالأنظمة العقدية ثلاث طبقاتِ حماية: المسلّمات الواضحة التي لا يُقبل الجدل فيها، والقواعد الضابطة التي تنظم الجزئيات فتشكّل سوراً حول البذرة، و طقوس السلوك التي تستثمر الاعتياد كي لا يشوّش على انسياب النشاط.

وفي ساعات الأزمات المزلزلة تتراكم الشكوك في كل شيء بما فيه المسلّمات وما ادُعي أنه مسلّمات، فيدفع ذلك نحو الضياع لدى البعض ونحو الاعتصام بالمحجة البيضاء لدى الآخرين.

وفي ساعات الأزمات المباغتة تتعرّض القواعد الضابطة إلى ضغطين اثنين: الحاجة إلى الإضافة والتوسيع وتأصيل قواعد الاستثناء بعد أن أصبح أصلاً في مجرى الأمور في الواقع؛ والحاجة إلى التجديد في القواعد الضابطة وفق خطةٍ جديدة.

وفي ساعات الأزمات العصيبة تضوي مركزية الطقوس، وربما يتراجع الحياء عند بعض الأفراد ويبدو لهم صنع ما يشاؤون، فتتساقط الطقوس التي هي القشرة التي ميّزتها أنها تنسُق سلوكَ عامة الناس بعيداً عن التفسير منطقي والبرهان العقلي. فتعمّ حالة الشعور بالقلق لمخالفة المعتاد الذي يهنَأُ له الناس. ولكن بعد مرحلةٍ من فقدان التوازن ينشأ استقرارٌ جديد بعد أن ذهب الزبد ومكث ما ينفع الناس. 

ويمكننا هنا أن نؤكد أن التيه والحيرة والغضب الذي نشهده في بعض قطاعات الشباب هو مؤقت فحسب. وتتردّد عبارة انتشار الإلحاد بين شباب –وبعضهم من خلفيات متديّنة— لم يكن بالحسبان أن تتطرق إليهم الشكوك. وبعض هذا واقع، غير أننا لو أنعمنا النظر في حال أكثرهم لوجدنا أن مطلبهم هو مطلب إيمان البرهان مكان إيمان التسليم. وليس هذا بالأمر السيّء في منتهاه.

وإن من أهمّ أوجه التغيير في مسألة العادات التي ينبغي الإطلالة عليها هو وضع الأنوثة. لقد اعتادت الأنوثة التركيز على الخاص بعيداً عن العام، أو معالجة الشأن العام في الأطر المحلّية فحسب. غير أن الحداثة انتهكت الخصوصيات، ودولتها اخترقت الجدران، والديكتاتورية الطاغوتية أحكمت قبضتها على المجتمع. فاقتضت شمولية القمع شمولية الردّ، فاستُنفرت ذكور الأمة وإناثها على حدٍّ سواء بعد أن انفتحت أدوارٌ لا تلعب فيها الخِلقة ولا الفطرة أدواراً كبيرة، وهكذا استُثمرت جهود الإناث في الثورة المباركة فزانتها وزيّنتها. غير أنّ الذي يهمّنا هنا ليس الاعتراف بدور من تُنسى جهودهنّ عادة، وإنما الانتباه إلى العادات التي غادرت نمطاً سكونياً همّه الاحتياط لم يَعد ينفع تفسيره على النحو القديم. ولقد عرفت التجارب الحديثة للحراك المجتمعي في بلدانٍ أخرى مشاركة واسعة للنساء، وما نريد الإشارة إليه هو نسق مشاركة المرأة في ثورتنا، فهو وإن استصحب دافع الإنجاز الذي يطبع الثقافة المعاصرة، إلا أنه أيضاً استمدّ روح الخنساء بعزّها وطهارتها بعيداً عن النمط الليبرالي الذي ظهر في التجارب الأخرى. ومثل هذه الملاحظة هي مما يجعلنا نرى صواب القول إن ملامح الحضارة الإسلامية تتجلّى خلف ممارسات الناشطين في الثورة.

رابعاً: إفلاس الطروحات العَلْمانية

ما كان إفلاس الطروحات العَلْمانية بالأمر الحاسم لولا مدى هذا الإفلاس مكاناً و زماناً. فالإفلاس لا يقتصر على بلادنا العربية، بل كان سابقاً في دارها الذي ترعرعت فيه. ولا يمكن أن نفصل ما يجري في ساحات الفكر والفلسفة عن سقوط الحداثة. فلقد نتج عن هذا السقوط ظهور ما-بعد-الحداثة. غير أنّ ما بعد حداثةٍ ليس فيها بَعدية في الحقيقة إلا من ناحية التفريغ الداخلي للمحتوى والسقوط في العبثية على مستوى الفكر والتطبيق معاً. وإذا كانت الرشدنة هي قاعدة الحداثة التي تمكّنها من الإنجاز والتجريف (المادي والثقافي)، فإن انقباض الرشدنة إلى أقصى الاختزالية أصاب عقلانية الرشدنة بالجنون نتيجة محاولة معاظمة الإنتاج مع تجاوز حدّ التحمّل البيئي المخلوق (تأمل مرض جنون البقر مثلاً)، أو بجعل المرشحين للرئاسة في أقوى بلدٍ يتنافسون على محاربة أشباحٍ تبعد عنهم آلاف الأميال (تنافس المرشحين الأمريكيين وذكر التهديد السوري مثلاً)، أو باقتناء سلاحٍ بالغ التقنية تعجز عن تكاليفه الإمبراطوريات القارونية... هذا من جهة، ومن جهة أخرى يدفع التفجير الذاتي للرشدنة في ساحات ما بعد الحداثة باتجاه التذرّر المفتوح الذي لا يمكن أن يتحمله اقتصادٌ ولا بيئة... وعلى صعيد الاجتماع لا عجب أن تتحول الأسرة إلى مهجعٍ للعمّال والموظفين، وأن تتحوّل المدرسة إلى مكان تعلّم فنّ البطالة.

ولقد اعتبر مفتونو الحداثة ‑غرباً و شرقاً‑ أننا ودّعنا التاريخ حيث أنه بلغ نهايته، وكل الذي يأتي بعده توليد آلي. ووفق هذه الرؤية، البشرية هي قطعانٌ هادرةٌ في حركةٍ انتظمتها آلة الاقتصاد شديدة الانتاجيةِ تُغذّي حاجتي (اللّبيدو): جنسُ فياغرا مُرشدن بحسب الطلب ومعاظمةٌ له (وتفريغ) في كل دعاية وفيلم وأغنية ورقص؛ و عنف استورويدٍ ينفخ العضلات، و سيليكون ينفخ الأثداء و بوتكس يقبُر الفناء.

هذه العدمية التي يعيشها العالم تحول دون انتصاب المذاهب العَلْمانية بديلاً، إلا انتكاساتٍ إلى دين محرّف غير مجزٍ ولا شافٍ لأنه أصلاً أصابه التحريف فسمح بأن تستحوذ عليه عَلمنةٌ تُزيل الأصل والخبث معاً وتنكفئ إلى الشهوة والعنف، كما سمح للتلمودية أن تقدّس اللامعنى بعد أن هجر الإلهُ كونَه الذي خلق وأوكله إلى الشعب المختار.

وندرك أنه سوف يستمرّ جري كثيرٍ من الناس وراء النماذج التي ولّدتها العَلمانية، فهي مغرية حقاً، لكنه ليس جري القناعة بالمبدأ بقدر ما هو جري الشهوة والعادة والإدمان، ولن نعدم دفاع المدافعين عمّا ظهر فساده الكامل، وهذا من الخبث الذي لا بدّ أن يُلفظ.

خامساً: الأقلّيات والخروج من المجتمع

تصميم بلادنا منذ السقوط العثماني اعتمد على استثمار الأقلّيات وخاصة غير المسلمة منها، سواء أكان ذلك في مصر أو في بلاد الشام أو ما أصبح تركيا. والبذور الأولى لذلك كانت قد وُضعت قبل الانهيار العثماني في التسهيلات المقدّمة للأقليات غير المسلمة بعد قوانين "التنظيمات". أوضح تعبيرٍ عن ذلك كان في بلاد الشام حيث أنها تتمتع بتنوّع متعدّد الأوجه ممتدّ زمناً طويلاً.

أخفق تقسيم تركيا تقسيماً استعمارياً له أبعاد أقلوية بسبب تجاوزه الشروط الموضوعية على صعيد الهوية-الثقافة، فالنزعة القومية التي اعتُمدت ضد الرابطة العثمانية هي نفسها تعطي تماسكاً من نوعٍ آخر في وجه عدوّ تاريخي.

مصر الراسخةُ وقعت تحت تيارات تغريبية شديدة من قِبل أسرة محمد عليّ. التحديث السريع، بغضّ النظر عمّا يقال فيه من الناحية التقنية، انتهى إلى عمليات تغريب ثقافي. ولا عجب أن تمّ استدعاء نخبٍ عَلْمانية غير مسلمة من سورية/لبنان ليدعموا مسيرة العَلْمنة في مصر. وتتابعت المحاولات الوقحة (أوضحها في إنتاج طه حسين) لسلخ هوية مصر وفي أنها أقرب إلى اليونان وأوربة منها إلى المشرق العربي أو العالم الإسلامي.

بلاد الشام كانت الموضع الأسهل لتفجير الهويات، فكان أولاً إنشاء دولة لبنان الكبير في سنة 1920، تلاها إنشاء دولة حلب ودولة العلويين ثم دولة جبل الدروز بعد بضعة أشهر، إضافة إلى دولة دمشق ونظامي إدارة محليين في إقليم الجزيرة السورية وسنجق اسكندرون. وحتى الاستيطان اليهودي يُمكن –من وجه من الوجوه– أن يُصنّف على أنه جزء من التصميم الأقلوي للمنطقة ومنسجم مع عقيدة الترانسفر التي أضحت مقبولة حينها.

مدفوعةٌ برفض الهوية الإسلامية الجامعة، توجّهت الأقلياتُ غير المسلمة نحو الهوية القومية العربية. الضياع وسؤال الهوية كان عاماً لجميع الشعوب العربية في مطلع القرن العشرين وقُبيله، ولكنه اتخذ الحالة الأكثر تأزماً لدى الأقليات. وبشكل طبيعي، كان هناك تطّور تدريجي في مخيال الأقليات غير المسلمة من التطلّع إلى هوية قوميةٍ عربية تتضاءل فيها غربتُهم الثقافية عن الإسلام، ثم إلى هوية قُطرية تُبعد الإسلام والعروبة معاً: آشوريةٌ في العراق؛ فينيقيةٌ ومسيحية في لبنان؛ نصيريةٌ وإسماعيلية ودرزية وآشورية وأرمنية وكردية في سورية؛ فرعونية في مصر.  

ولا بدّ هنا من ملاحظة تلاقى البعد الثقافي الحضاري مع الجيوسياسي. ففي سورية، ليس من المصادفة أن يكون جميع زعماء الانقلابات العسكرية وقادة المجالس الحربية التي دعمت الانقلابات خلال الفترة 1949-1954، من ضباط الأقلّيات الذين جندتهم سلطة الانتداب الفرنسية قبل مغادرتها سورية، ولا عجب من السلوك الأقلوي للنصيريين-العلوية في القيادة السورية فهم أكثر مجموعةٍ تعاني من توترات الهوية بسبب هزالة البدائل المِلّية التي يمتلكونها. كما أنه ليس من المصادفة أن يكون رعاة فكر الرابطة القومية والرابطة القطرية هم من المسيحيين ومن أبناء أقلياتٍ في الغالب، إلى جانب مستغربين من مجتمع النخبة للمسلمين الذين بدورهم كانوا قد أخرجوا أنفسهم من المجتمع (المتخلّف) وسكنت ضمائرهم أوربة وفرنسا.

المسيحيون في لبنان أخرجوا أنفسهم من العروبة منذ زمن بعيد. ودع توترات الهوية التي تنعكس في بعض نخبهم الثقافية الذين لهم إسهاماتٌ متميزة في اللغة العربية والتاريخ، فإن الضمير الجمعي اللبناني المسيحي (الماروني خصوصاً) فدى نفسه بخرافة الانتساب للفينيقيين وأن فرنسا هي الأم وأنّ المسيحيين بغير ذلك يغرقون في بحرٍ عربي هو ضرورةً مسلم. النصيرية-العلويون في سورية حالةٌ أخرى ناطقة، وبعد الثورة أخرجت الطائفة نفسها بالكلية من المجتمع ومن سورية ومن العروبة، وإن كان الانعكاس الأولي الظاهر هو التأكيد على هويةٍ سورية وطنية. الأقباط في مصر أعلنت ريادتهم صراحةً عن حقّ الطائفة استدعاء قوى أجنبية إذا لم تتمّ حمايتهم بشكل فعّال.

ونقصد بالخروج من المجتمع هو ذاك التمحور حول المصالح القريبة وتطييف النفس ورسم الأولويات وفق الذات الضيقة. الكُرد في سورية (كرد الشمال تحديداً) هم الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، وهو استثناء من باب كونهم مسلمين. والكُرد عامة على تديّن فطري مشهود، غير أنه لا يفوت المراقب ملاحظة البُعدَ عن الدين عند أكثر قياداتهم وطواقمهم الحركية والحقد المزدوج للعروبة والإسلام في الإيديولجيات الماركسية لتنظيماتهم.

إنّ إخراج الأقليات أنفسها من المجتمع بعد ازدياد شعورهم بالغربة تواقت مع عودة النسق الحضاري المسلم ‑الذي يا للمفارقة‑ هو أصدق نسقٍ في التعامل مع التعددية وأرحب صدرٍ في استيعابها. وإذ لا يمكننا تبرئة الغلوّ من حفز التخوّف الأقلوي، غير أنّ مبتدأ الغربة كان سابقاً لظهور الغلوّ، وسبب الخوف الوسواسي هو التعلّق بأنموذج سرابٍ ليبراليٍ خارج الأوطان. وإذ تضيق الليبرالية اليوم بالخيارات الثقافية للمسلمين ‑برغم أن أساس الفكرة الليبرالية هو مطلق الانفتاح‑ فإن الفكر العالمي للتعايش سوف يضطر في النهاية إلى إعادة اكتشاف مركزية المجتمعات الصغرى، وربما عندها يدرك الحاجة إلى نظامٍ مليّ معاصر كان قد توّجت فكرتَه التجربةُ الحضارية المسلمة عبّر عن أخلاقيتها ورعايتها الكُنهية للتنوّع.

سادساً: الخروج من سجن الدولة الحديثة

الدولة الحديثة تعتدي على المجتمع بطبيعتها ومن خلال مؤسساتها التي يُفترض أنها لازمة لإحكام الإدارة، غير أنها ما تلبث أن تصبح جارحة خانقة كالجنازير التي تحيط برقاب الأحصنة التي تشدّ العربة. وحين تقع هذه الدولة في قبضة "الفرعونية الطاغوتية" تقوم بمحاولة سحق المجتمع، فإذا كانت طائفية أقلوية تقوم ‑إضافة إلى ما سبق‑ بمحاولة محو الثقافة. ولقد اخترنا مصطلح الفرعونية الطاغوتية لأن لفظة "الاستبداد" لا تعبّر عن المعنى المراد تقريره. فالاستبداد هو الانفراد بالرأي في شؤون الأمة. وما تشكو منه بلادنا يفوق ذلك بكثير، إذ يجمع بين عناصر ثلاثة: تحكّم نمط الدولة الحديثة، وتحكّم معاداة طبيعة المجتمع، وتحكّم الحقد على ثقافة المجتمع.  

إنّ الثورة العربية هي في عمقها رفض لهذه التحكّمات الثلاث ورفض لتلك الطبقات المتراكمة للظلم الاستئصالي.  فلقد أدرك الضمير الجمعي أنه لم يعد للدولة معنى أو وظيفة، فلا هي تعمّق الانتماء بل تحاول استبداله، ولا هي تؤمّن أساسيات الحياة بل تهدرها، ولا هي تحمي المجتمع بل تحلّه، ولا هي تقي الأفراد بل تعتدي عليهم. ومن هنا تجاوزت الثورة حدود مجرّد الإصلاح السياسي.

غير أنه من جهة ثانية، الدولة حقيقةٌ واقعة وجزءٌ من المنظومة العالمية واستمرارٌ لآلياتٍ متداخلة مع المعاش، ولذا فإنها تملك قسطاً من الحاجة الإجرائية بقدر تخلّف البدائل أو ملامح البدائل. وننبّه هنا أنه لا يخفى علينا أنّ الدولة كمهمة إدارية هي ضرورة، وخاصة في عالمنا الحديث. وإذ تدفع ضرورة الحياة وغريزة البقاء إلى نسق معيشة الاكتفاء الذاتي في المحلة الصغيرة، هذا النسق –بصيغته التاريخية– أصبح شبه متعذّرٍ في عالمنا الحديث. وتكمن عند هذه النقطة تحديداً العقبة الكبرى. فهناك توقٌ نحو المحليات الصغرى بعدما اكتسحت الحداثة فضاء الخاص، غير أن فاعليات تلك المحلات غير كافية لمواجهة تحدّيات العالم الحديث. وفي ظلّ غياب بدائل تنظيم سياسي غير متعدّية يُنتج التمسك بالحديث مع غياب الإدارة الراشدة واقعاً متفسّخاً مليئاً بالتناقضات تنهشه أنانيات غريزة البقاء ويدفع فيه سحرة فرعون نحو السافل من الأخلاق.

الفكر الأصيل الذي يمكن أن يكون الإطار المفهوماتي لمستقبلٍ من نوعٍ جديد فكرٌ موجود، وهو متبلورٌ إلى حدٍّ كبير وإن كان غير ناجزٍ من ناحية جاهزيته التطبيقية.  والتخلّف عن مساوقة الواقع من جهة، والأسباب الخارجية التي تعوّق تجذَّر الفكر الأصيل وانتشاره من جهة أخرى، يفتحان الباب للبدائل المشوّهة التي نتجت عن مزدوجة تراثٍ متفسّخ ومكرٍ سياسيّ يحاول توظيف الدين. فلا عجب أن طفا في البدائل المطروحة ما هو أكثرها بدائية، النصيّة الحرفية على المستوى الفقهي والانتقامية الداعشية على مستوى الفعل، كظاهرةٍ هامشيةٍ تأخذ في ساعات الأزمات أكبر من حجمها المفترض. ولا يخفى أن الكيد المضاد من الداخل ومجموع المواقف الدولية من الخارج البعيد والضخ الطائفي الإقليمي يدفع نحو طلب مزيدٍ من الحلول الانتقامية.

إن مجتمعاتنا ما زالت عالقةً في ظلماتٍ ثلاث للدولة المهترئة: على صعيد الوظيفة، وعلى صعيد المهمّة، وعلى صعيد انسجامها مع فكرة الاجتماع الذي يُفترض أن تخدمه. فلا مناص من الخروج الكامل الرافض فالإصلاح محالٌ ولا يأتي إلا بسراب. زوايا الحالات الاستثنائية يمكن نظرياً أن تشكّل ملاذاتٍ آمنة نسبياً، ولكن عملياً لا يمكنها أن تحمل لا جملة احتياجات الأمان من قبِل الجيران ولا  ارتدادات الخلخلات الإقليمية ولا ضغوط المنظومة الدولية نحو الاستبداد بحجة الاستقرار. 

فلا بديل عن إطارٍ سياسيٍ جديد، إطارٍ مناظرٍ لاستنادات الاجتماع المسلم من ناحية، ومقاومٍ لضغوط المنظومة العالمية من ناحية أخرى. وبين صعيد الائتلاف السياسي و صعيد الاجتماع المعاشي، تتحرّك الفاعليات الاقتصادية التي فيها قيام الناس. وهنا لا بدّ من اقتصادٍ محلّي يفي بالضروريات، وشاكلة هذا الاقتصاد مفتقرة إلى فهمٍ نظريٍ من ناحية وإلى خبرةٍ عمليةٍ من ناحية أخرى. وبدون أطرٍ سياسية اجتماعية اقتصادية جديدة، تعمّ فوضى أنانية حاجة البقاء، وتتآكل أعراف التعايش، وينزلق المجتمع إلى نمط العوز الحداثي على أطراف جزر الغنى الأنانيّ الانفصالي. وغياب الإطار السياسي المناسب واستحالة تعشيقه مع مرتكزات الاجتماع، والعوز الذي يتجاوز مجرد الفقر ويقع في البؤس، هذا الوضع الثلاثي هو الذي يمثّل حال الغثائية.

الغثائية = الانتفاخ الفارغ + تفرّق الفقاعات + الاصطدام لغياب الوجهة

والغثائية ليست خصالاً فردية وليست تعبيراً عن الحال العام للناس، وإنما تمثّل حال مجموع الفعل ومحصّلة جهود الجماعات الفاعلة في المجتمع، وهي تتحرك اليوم في وسطٍ معاصرٍ خاص هو حوضها التي ترتع فيه.

حوض الغثائية الحداثية = انفراط عقد الأعراف الضابطة للسلوك × غياب مالٍ يرقع الترهّل × اقتناص السامريّ أفرداً يخدمون شهوته ومتاعه ونمط حياته.  

إذاً هي حالة مركّبة تأخذ بتلابيب الأفراد من جهة وتُضعف أي جهدٍ إصلاحي جمعيٍ من جهة أخرى، حتى يغدو النقض ضرورةً من أجل إعادة البنيان بعيداً عن شفا الجرف الهار. 

وفي غياب تمكّن الأطر المتّزنة الذي تجاوزت في آن الارتهان إلى مفرزات الحداثة و الانكماش إلى تراثية متصدأة، لا بدّ من العيش في برزخٍ غير مريح ريثما يكتمل الحساب وتنتهي عملية المفاصلة. المفارقة أن هذا في وجه من الوجوه هو خروجٌ من أسر الدولة إلى أسى الفوضى، حيث لا أمل في الأول وهناك فرصة في الثاني. وطبعاً، الثاني فُرض فرضاً وكان غير ذلك ممكناً، وتحصّل بغير إرادة الثورة بل رغماً عنها فلا يمكن أن تُلام الثورة من أجله.

سابعاً: استدارة التاريخ

اللحظات التاريخية المفصلية في حياة الأمة استدارت لتعود شاخصةً وكأنها ولادة اليوم. ثلاث لحظاتٍ تأخذ بحُجز الفهوم، نذكرها بترتيب قربها الزماني وإن كانت متداخلة.

1- لحظة حطام الدولة العثمانية

لحظة حطام الدولة العثمانية كان لها تبِعات ثلاث ما زالت تطرق أبوابنا على نحوٍ جديد. على الصعيد الهوياتي هي نفرةٌ إلى حبلٍ معصومٍ جامع من جهة وتناثرٌ نحو هويات جزئية ناشزة من جهة ثانية. وعلى الصعيد الضميري ثمة غرقٌ اختياري وتجريف ديمغرافي قسري وهجرات فرارٍ مذعورة. وعلى الصعيد المعاشي ثمة إفلاساتٌ تصيب عزيز القوم و تغني حثالتهم. كلٌ من هذه الثلاثة طبعت لحظة الاستعمار بعد الحطام العثماني وتعود اليوم.  

جدال هوية جامعةٍ إسلامية أم هوية عربيةٍ مسلمة أم هوية قوميةٍ عربية أم هوية مواطنةٍ قطرية... هذه الخيارات الأربعة عادت فطفت على السطح. الفرق بين الأمس واليوم هو أن الحيرة اليوم هي في أذهان نخبٍ مقطوعة عن المجتمع فحسب. أما المجتمع/الأمة فقد صوّتت لخيارها في ثورتها وفي صيحتها وتضحيتها: هوية حضارية مسلمة عربية غير منقطعة عن العالم، فالعالم يقبع فينا ونحن نقبع فيه، هو يؤثر فينا ونحن نؤثر فيه.

الحيرة هي نصيب العقلاء/المجانين. التوّجهات العَلْمانية أصبحت اجترارية إلى حدّ الإقياء. التوجّهات الإسلامية تتلاطمها أولويات التنظير المجرّد و التنظير المنزّل. الطيف التجريدي-التنزيلي ينال كل طبقات التفكير الإسلامي، من المفكّر إلى الناشط إلى شاهر السيف.

المفكّرون يراوحون بين نازعين: محاولة صياغة نموذج صافٍ أصيل متّسق تماماً مع الرؤية الكونية الإسلامية وغير مرتهنٍ لماضٍ فات؛ ونازع الذي عينه على الواقع والتحولات الكبرى التي حصلت في حياة البشرية فتستلزم عنده المضاهاةُ من أجل توليد نموذجٍ مركّبٍ مناسبٍ لعصرنا.

الناشطون يتأرجحون بين غارقٍ في النموذج الغالب يرمق من خلاله إمكانية الوصول، وبين من يطلب نموذجاً هجيناً يمكّنه (ويمكّن جماعته) من استمرار العيش في المنظومة العالمية ولو كان عيشاً خديجاً.

شاهرو السيف مُطلقيّون يحلمون بحلٍّ ماضٍ مسلولٍ من غمده تغرُزه سنانُهم في الواقع أَطراً غليظاً، وهم بين ذاك الذي يسِنُّ نصوصه ليُكفِّر بها وينحر نفسه فداء حُلمٍ منسوج، وبين ذاك الذي إذا نبا سيفُه أعاد تفسير نصّه تفسيراً ينزاح أنملة نحو الواقع المفروض ويُبقي إمكانية الارتداد.

وثلاثة هذه التوجهات تعتريها توترات التجريد والتنزيل. 

2- لحظة بغداد والقدس

لحظة بغداد و القدس تطرق أبوابنا أيضاً على الصُعد المعاشية والسكانية والثقافية.

 حواضر الإسلام التي بناها المسلمون بجهدهم وجهادهم تُدمّر تدميراً... ولا مراء في أنّ المبير المحلّي الذي أَعمَته فرعونيته عن ذاك الذي لا يكاد يُبين هو جزء من المعادلة، وذلك لكي لا نقع في لوم الآخر من غير أن نضطلع بمسؤوليتنا عن ذلك.  الفرعونية المحلية و الهرقلية/ القيصرية الخارجية ثنائية متفاعلة تتغذى على بعضها البعض. بلاد الجزيرة العربية بلادٌ فيها مالٌ طافح وفكرٌ غائر في حين أن مصر يتألّق فيها الفكر ولكن يعوزها المال؛ العراق أرض النهرين هي فكر و مال. تهديمها كان ضرورةً في نظر الندّ الحضاري.

القاهرة مقهورة بتسلّط السفلة وعموم الجَدْب، و دمشق مخنوقةٌ بقبضة طائفية، و حمص الوليد تُفرّغ من الأطهار، و الموصل-حلب الخط الاستراتيجي الذي زحف لتحرير القدس تنحره قوى الفجّار، و أولى القبلتين بيدٍ تعادي الأغيار، إلى جانب عصاباتٍ طائفية وقومية تنتقم لتاريخٍ متخيّل...

لحظات بغداد و القدس و طليطلة تخيّم اليوم بثقل ذكراها وبوقع حقيقتها الثلاثية على النفوس: ترهّلٌ داخلي في مراكز إدارة شؤون الأمة، وتداعي الأعداء إلى قصعتها، وتألّب الباطنيين وأشياعهم في داخل الجسم المسلم.

3- لحظات الاغتيال

كان اغتيال عمر من جهة خارجية من عدوّ قديم، ولذا ما كان لهذا الاغتيال أن يؤثر في الاجتماع المسلم. اغتيال عثمان كان من قِبل الغوغاء الذين لم يتربّوا على خلق الإسلام. اغتيال عليّ كان على يد الغلّو الذي يعوزه الفقه. قتل الحسين كان على يد سفهٍ سياسي.

وهكذا تعود لمسلم اليوم خيالاتُ علوج الفرس يغتالون أمير العدل، والغوغاء تغلب أهل الفضل، والخوارج يطعنون يمنة ويسرة يستهدفون ثلاثة الأمراء الذين هم أمل الالتقاء تحت سياسة قادرة. ومن الجهة المقابلة تحوّل قتل الحسين إلى أسطورة عند الشيعة، أسطورة تمّ تفريغ معناها الأولي لتصير تبريراً عصباوياً لا يصطدم ببديهة العقل فحسب بل بأرهف الحسّ الإنساني أيضاً.

ما سبق كان عرضاً سريعاً لثلاث أنواعٍ من اللحظات، وفي كلٍ تتداخل فيها النصوص ومناهج التفكير، والثقافة والسقوف المعرفية، وأصول إدارة الحياة وتنظيم شؤونها، وفاعليات الجيوستراتيجيا الخارجية. وهذه لحظات يستبطن معانيها ودروسها المفترضة جمهورُ الأمة، وهي الآن تعود للمخيلة المسلمة كمسطرة لتفسير أحداثٍ شديدة التراكبية.

ثامناً: المراجعات التاريخية

هناك مراجعات غير إرادية لا تجري في عالم الفكر وحده فحسب، وإنما أيضاً في أرض الواقع وبين عامة الناس. ومن مظاهر هذا بلوغ الشرخ الأول في السياسية المسلمة حدّه الأقصى، وتأزم التعامل مع النصوص العاصمة، وتزاوج بدعةٍ سنية مع أخرى شيعية. وبلوغ أقصى نقاط الحدود هو الذي يعد بالولوج إلى فضاءات جديدة.

1- تأزّم التشيع الطائفي

كيف نفهم قبول الخرافات الدينية في مناخ حداثةٍ مفعمة بالمنطق العملي والعلمي؟ هذا مبحث طويل، ويكفينا هنا الإشارة إلى أن الانفصامية الإدراكية واردةٌ في حياة البشر، وهي تناسب تطرّف الوضعية في الفلسفة العلمية من جهة وثنائية التصوّف والفهم الإشاري من جهة أخرى. نعم، فكرة التشيّع سخيفة باعتبار العقل العلمي اليوم، غير أنه يكفي الشيعي أن يشير إلى الأعماق الفلسفية التي خاض فيها تراثهم لكي لا يشعر بالخزي.

الأهم من ذاك هو أن التشّيع عند قطاع كبير من الشيعة هو عصبية و ذكريات مجتمعية بأغلفة دينية لا أكثر. ويصعب على مَن هو خارج الحيّز الشيعي أن يشعر بمدى جاذبية التجربة الإيرانية كتجربة شيعية: على الصعيد الديني هذه أول مرة في تاريخ التشيّع يكون فيها الإمام نائب الإمام المعصوم قائداً للدولة. وتأكّد شعور الوثوقية عندهم في أنه على الصعيد السياسي نجح هذا الإمام على نحوٍ يمكن أن يحسبه الجاهل من الخوارق غير السننية: دولةٌ عادت النظام العالمي ورعاته، فحاربها وحاصرها، فتماسكت واعتمدت على نفسها، فكسبت مجاملتهم واضطرتهم إلى التحالف معها في النهاية. وهذه النقطة آسرةٌ للمخيال الشيعي.

ورغم ذلك، نزعم أن التنافر بين التشيّع العربي والتشيّع الفارسي قادم. لقد هتف العراقيون الشيعة منذ عقد ونيّف أن العدل الإمامي سيبزغ أخيراً بعد غياب أربعة عشر قرناً من الظلم السنّي والاختفاء الشيعي، وذلك من خلال الديمقراطية الغربية. تبخّر هذا الشعور بعد أن رأوا ما انتهى إليه العراق، وحلّ مكانه تمحورٌ مصلحي طائفي بحت عند شريحة و استمرارٌ للقناعات الخرافية عند شرائح أخرى. ولعله يمكنا افتراض أنّ التحوّل من النشوة الشيعية إلى الإدراك الواقعي بدأ أيضاً بين بعض الشرائح في لبنان على نحوٍ خافت برغم استمرار الولاء (الذي أصبح الخوفُ أحد مبرراته).

التيار الأساسي في تاريخ الأمة سادرٌ طبيعةً ككلّ تيار عريض لا يستفيق إلا عند الضربات المزلزلة. ولقد ولّدت متلازمةُ "خدر الأكثرية/حذر الأقلية" توتراتٍ خطيرة. خَدَرُ الأكثرية يتميّز بتهميش الأقلية حيث تتصرّف الأولى وكأن الثانية غير موجودة، برغم أنّ الشعور الأقلوي شعورٌ طفولي في طبيعته ويحتاج إلى الانتباه المستمر. وعلى صعيد السجل التاريخي يشعر الشيعة بأنّ السنة أهملوا الإسهامات التاريخية لمن هم شيعة فعلاً أو لمن يصنّفهم الشيعةُ أنهم كذا. وتتراوح الإسهامات من الفقه إلى اللغة وإلى العلوم والفلسفة. أما حَذر الأقلية فقد أنتج تقيّةً نفاقيةً ومرواغاتٍ يستحيل معها التفاهم وتنعدم معها الثقة وتبرّر الشكوك من قِبل الآخر وتعزّز الطائفية والخروج من الأمة.

عقدة البطولة عند السنة في أن تاريخهم كان تاريخ انتصاراتٍ وإنجازٍ وحضارةٍ وعلوٍّ وتمكّنٍ وازدهار، تقابلها عقدةُ الضحيّة عند الشيعة. وفي غمرة احتفال السنة ببطولاتهم التاريخية ينسون أن جيوباً شيعية كانت جزأً من (الخلافة). وفي غمرة بكاء الشيعة على ماضي المعاناة والتعقّب، ينسون (1) أن أساطير عذاباتهم لا تثبت عند التحليل التاريخي؛ (2) وأنهم قدّسوا الهامشية وعشقوها؛ (3) وأن فرقاً منهم تماهت مع المذاهب الباطنية.

التعامل مع التشيّع في تاريخنا كان تعاملاً غير ناضجٍ ارتهن إلى السياسة إلى حدٍ غير صحّي. وإذا كان هذا التعامل مفهوماً في مبتدئه من ناحية عموم التحزّب في الحياة السياسية، فإنه أنتج استقطاباتٍ فكرية غير محمودة، مثله مثل الاستقطاب الأشعري-المعتزلي. وفي مراحل التفكّك والاضطراب، انقلبت العلاقات السنية الشيعية إلى علاقات عداءٍ أناني. وفي المرحلة العثمانية-الصفوية خصوصاً تمأسست الفوارق من خلال التبنّي الإمبراطوري للتمذهب عند الطرفين. فتبنّى الصفويون المذهب الإمامي الإثناعشري وأعادوا تشكيله، وتبنّى العثمانيون التصوّف وفرضوا ديوانيةً بيروقراطية على الفقه. ولا يمكننا هنا إلا الاعتراف بصعوبة قبول الأثر الصفوي ووضعه في إطار نسبية تاريخية، لأن انحرافات التشيّع تحت الصفويين تجاوزت الشطط الشيعي وأدخلت في المذهب كماً كبيراً من الشظايا الباطنية وأصبحت جزأً لا يتجزّأ من تشيّعٍ قومي فارسي.

 فترة الاستعمار ومحاولات الانفكاك منه كانت مرشّحةً لأن تعيد صياغة العلاقات السنية الشيعية. غير أن الواجهة السياسية للمجتمع كانت واجهة الأكثرية، أي حُكماً محسوبة على السنة، وهي التي قامت ‑في الظاهر‑ بممالأة المستعمر. الشيعة يكفيهم الرفض من بعيد لأنهم (أقلية) معذورة، وهي في خطابها لنفسها تشعر أنها كانت دوماً ضد الظلم سواء استطاعت إظهار ذلك أم لا؛ أي أن ضميرها يوهمها أنها مبرّأة من الخيانة والتخاذل، وما يحصل منه على نحوٍ أو آخر يجري تبريره بأنه خوف من الانكشاف والإبادة لأنهم أقلية غير قادرة وغير مسيطرة. ولا يخفى أن التخاذل (السنّي) في وجه المستعمر حين حصل ما كان إلا على الهامش عجزاً لحظياً تُصاب به الأكثرية لافتقادها عصبية ناجزة، وإلا فالسنة كانوا باستمرار مطّردٍ في مقدمة قوى مقارعة المستعمر من المحيط إلى الخليج في السياق العربي ومن المحيط إلى المحيط في سياق البلدان المسلمة قاطبة.

وعلى صعيد الفقه في الفترة المعاصرة، كانت فكرة التقريب المذهبي من الطقوس الفارغة والمضرّة، فهي لا تحتضن في داخلها فهم الآخر. والتصريحات باسم السنة ليست مفيدة ولا هي وازنة موزونة ولا تنمّ عن فهم الواقع ولا عن فهم التاريخ.

فإذا انتقلنا من البنى الفكرية والضميرية إلى الخطط الإدارية، نستطيع ملاحظة أن فترة ما بعد الاستعمار وضعت المسارات الإيرانية والتركية والمصرية على سككٍ مختلفة. تركيا إمبراطورية تقلّصت ولم تنهار، فانغلقت على نفسها قوميةً طورانية وتبنّت مسار التحديث؛ أي أن ثمة درجة انسجامٍ داخلي في هذا المشروع برغم تصادمه الثقافي. مصر كانت قد وضعتها تجربة محمد عليّ على سكّة تحديثٍ منذ زمن مبكّر، وهو التحديث الذي انقلب تغريباً على أيدي النخب المسلمة والنخب غير المسلمة المستوردة من بلاد الشام. ومن المهمّ أن نضع تجربة التحديث في مصر ضمن سياقيها الثقافي والجيوسياسي، حيث أنهما يتضاربان مع التحديث الجدّي، بغضّ النظر عمّا ينبغي أن يقال في أصل فكرة التحديث وفي إشكاليتها. السياق الثقافي للتحديث في مصر يشير إلى إشكال القومية، حيث أن القومية مستحيلة في حق العرب لأنها لو تحقّقت لاعتدت على الإسلام وعالميته. السياق الجيوسياسي لمصر كان ثنائياً عام وخاص: العام يتعلّق بموضع مصر من البلدان العربية الأخرى، والخاص يتعلّق بإنشاء دولة إسرائيل.

ومن بين الدول الإقليمية الثلاث المهمة، إيران كانت أقلّها تعرّضاً لمشاريع التحديث، وإن غلب عليها وجه العَلمنة الثقافية. وكبلدٍ فيه موارد ريعية، تمتّعت إيران بتخلّفٍ تنموي كان في صالح تحقيق درجةٍ من الاستقلالية. ومن ناحية أخرى، وفّرت المرحلة القاجارية فترة تدريبٍ للنخب الدينية على أمور السياسة. الضغوط الاستعمارية من جهة، ومن جهة أخرى البهائية المصادمة مباشرة للإسلام في الأسرة البهلوية (وليس الالتفاف من خلال المؤسسات الدينية والرموز كما هو في الحالة السنية)، شكّلت نسق الظهور الإيراني في فترة ما بعد الاستعمار.

الثورة الإيرانية كانت حدثاً بارزاً في التاريخ العالمي المعاصر، وحدثاً عظيماً في منطقة الجوار المشرقي. ولقد تفاعلت الجماعات الحركية السنّية ضميرياً تفاعلاً إيجابياً مع الثورة الإيرانية. ولم يكن هذا غفلةً في لحظته كما يحلو للبعض أن يتصوّره، وإنما هو التزام بالمبدأ، فلطالما مثّلت المواقف السنية حاضنة للتنوع في الأمة، مواقف انفتاحٍ واستيعاب يعيدان النشوز والشذوذ إلى جادّة الصواب ضمن ساحة المقبول اجتهاداً. أما كيف تطوّر التفاعل مع الثورة الإيرانية بعد ذلك فهو أمرٌ آخر يحتاج إلى تفصيل ليس هنا مقامه.

وُلدت إيران الجديدة من ائتلاف قوى ثورية، وتنازعتها توجّهاتٌ عدة: دينية تقليدية، وإسلامية منفتحة تتطلّع نحو تجديد الفهم الشيعي، وإسلامية يسارية، وأخرى مصلحية... وكان ثمة سجال بين هذه التوجهات في محاولة الإمساك بدفة الدولة الثورية الجديدة. وباعتبار التراكمات التاريخية للتشيّع وشعور المظلومية، وباعتبار اعتماد الثورات على المزاج الشعبي العام، وباعتبار امتلاك النخبة الدينية الإمامية مقدرة مالية واجبة في المذهب، وباعتبار التديّن السطحي للأرياف الذي رفعت الثورة من شأنها، وباعتبار الرفض العالمي لدولةٍ بهذا الوزن أن تحاول الفرار من الطوق الأوربي لفترة ما بعد الاستعمار... لهذه الاعتبارات كانت شريحة المرجعية الدينية التقليدية الأقدر على الإمساك بالشارع، فاضطرت باقي القوى الرضى بها والتعامل معها. كما دخلت المرجعية الدينية في سلسلة تجاذباتٍ فيما بينها على خط التشدّد والواقعية.

واكتمل تصدّر المرجعية الشيعية من خلال مواجهةٍ مع عدوٍ خارجي هو في المخيال الشيعي عدوٍ تاريخي لا يفتأ محاولة قتل الصفوة الطاهرة. كان لحرب البلدان العربية للثورة (بقيادة العراق ورعاية دولية) أثرين كبيرين على إيران والتشيع: (1) في داخل إيران وفي الحقل الشيعي عامة نحّى لهيبُ المعركة العقلاء من أصحاب الجماعات الحركية لصالح الخطاب الغيبي للنخبة الدينية الشيعية؛ (2) ابتلعت الحرب كل موجبات التقارب السياسي بين إيران والبلدان العربية، تقارب من باب كونها جميعاً من دول الجنوب (أي لا نتكلّم هنا عن تقارب مذاهب)؛ (3) أعادت ترسيخ العداوة للعرب من قِبل الفرس (حيث اعتُبرت الحرب حرب الشعوب العربية وليس الأنظمة).

عندما انقدح الربيع العربي كانت إيران قد استثمرت في مشروعها أكثر من ثلاثين سنة. وهو مشروع انفرادي واثق بنفسه إلى حدّ الاستكبار القومي زيادة على الاستعلاء الطائفي والوثوق الغيبي. كان بإمكان إيران أن تصوغ لنفسها دوراً بويهياً تدعم فيه مسيرة التحرر العربي وتساهم في ديناميات وصيرورة خماسية تتجاوز إيران ولا تضرّها بل تفيدها حيث أن مناصرة الثورة العربية: (1) يتناقص فيها الوزن الإسرائيلي تناقصاً كبيراً جداً؛ (2) وتُحاصَر أوربة بما في ذلك تحجيم روسيا؛ (3) وتعجز الولايات المتحدة الأمريكية بسبب حجم التحدي، فتضطر أن تتعامل مع الظهور المسلم الشامل ببراغماتية مشابهة لبراغماتية التعامل مع الصين؛ (4) ويتعاظم تضارب المصالح الأوربية الأمريكية حيث تضطر الأولى للتعامل مع جيرانها تعاملاً فيه قدر من الندّية؛ (5) وتساهم في زيادة ثقل الكتلة العالم ثالثيّة لا يقف عند حدّ اللاانحيازية بل يكون له دور رائد.

كان التجاوب العربي الفارسي خياراً ممكناً للمنطقة ‑وليس محض خيالٍ‑ يربح فيه الاثنان معاً. ولكن التطورات الداخلية للمذهب هتكت هذا الأفق التحرّري، فلقد شعر الشيعة أنّ حلمهم الخرافي قد تحقّق وأصبح في أعينهم حقيقة شاخصة: لقد وصل نوّاب الإمام إلى السلطة يتأهّبون لحكم العالم المسلم بأسره تحت إمبراطورية مقدّسة جديدة. فقاد سوءُ الفهم سوءَ العمل و طوباوية الرؤية إلى لا أخلاقية السلوك. وكانت إيران في تلك الصورة المفترضة ستبقى هي والتشيّعَ طرفاً وجزأً من العالم المسلم. غير أنّ ذلك ما كان ليرضي الغرور الشيعي الذي تنامت قوميّته الفارسية منذ الصفويين، برغم أن هذا الخيار هو أدوم وأكثر سلاماً وأرغد عيشاً لهم ولغيرهم.

مآل التشّيع يدفع باتجاه عَلْمانيةٍ بعدما وُضعت الإمامة الغيبية في ضوء الشمس، وبعدما تأزّم وعدُها الألفيّ في حكم الأرض بأسرها، وبعدما ظهرت بشريّتُها شجعاً ونهباً للمال العام. فما هو المتوقع بعد الآلام الشيعية المنتظرة وخيبة الأمل المدمّرة في النهاية؟ احتمال أن يدفع ذلك نحو التجديد الداخلي والمراجعة احتمالٌ قليل، لأن اللوم سوف يتوجّه نحو السنّة الذين يختزلونهم في جماعات الغلوّ. الأغلب أنه سوف يدفع التراجع الشيعي أو الاستعصاء الإيراني نحو تديّن نموذجٍ فاطمي متصالح مع ثقافة ما بعد الحداثة. والتطورات داخل التشيّع سوف تعتمد جزئياً على ردّ الفعل السنّي، ويصعب تخيّل كرمٍ سنيّ اليوم يشكل محضن تعافٍ من العقد الشيعية الألفية، على الأقل الفارسية منها في حين أن ذلك وارد تجاه التشيّع العربي.

2- تأزم التسلّف المغلوط

لصعود التيار السلفي سياق ليس له علاقة مباشرة بإيران أو التشيع، حيث أنه يمثّل استجابة إلى تطوراتٍ داخلية في الجبهة السنية. ولا مراء في أن البترودولار والتحديث السريع في الجزيرة العربية كان حاملاً لوهابيةٍ تتماهى مع السلفية. المنطق الثنائي الحادّ منطق يدفع نحو إما التعايش مع الحداثة أو مناطحتها. والنسق الوهابي في التعايش مشابه للنسق الصوفي من ناحية الرضى العقلي والتخالف السلوكي، فهو تعايش السباب في الحالة الوهابية مقابل تعايش الشفقة في الحالة الصوفية.

المنطق الثنائي عند التوجه الحرفي الذي يحسب نفسه سلفياً يدفع نحو نوعٍ من فصل الدين عن الحياة. فحيث صِير إلى محاصرة النصّ ورفض تألّقه الإشعاعي، سوف يعجر النص (ظاهرياً) عن الاستجابة للواقع، فيُترك الواقع ليسير على سكة الغلبة العالمية وتنكفئ الممارسة المسلمة إلى جحرين لضبّين: جُحر الاستهلاك الحداثي (الحلال)، وجُحر التنقير الفقهي الذي يُشعر بتطهير الأعمال.

بعد الثورة العربية كانت الخطاب السلفي هو وحده الخطاب الناجز. خطاب الحركات الإسلامية كان قد وضع للجهاد شروطاً تعجيزية تشبه الشروط التعجيزية للاجتهاد. وبرغم سجلٍ من المحن ونية المقارعة، رَكَن أخيراً إلى حِكمة المسايرة والسلامة.

خروج السلفية الوهابية خارج عزلة صحراء الجزيرة يهذّبها تدريجياً، وخاصة في رحاب الأرض المباركة، وإن كان ذاك بثمن باهظ. تراجع قوة ومكانة الراعي السياسي عاملٌ آخر، وإذا تفجّر داخلياً فسيكون مطهّراً إضافياً للوهابية خصوصاً وللسلفية بكل أطيافها بشكل عام. ويزيل هذا عائقاً في وجه استرداد النسق الحضاري المسلم الذي حفل بالتنوّع الداخلي، سواء في أنواع الفلسفات أو في أنواع مذاهب الفقه أو في أنواع مسلك تهذيب النفس أو في أنواع العادات وأنماط الحياة.

3- تزاوج البدعة الخارجية مع البدعة الشيعية

وراء ظهور فرق الغلوّ أسبابٌ موضوعية. فتراكمات العسف الروسي في الشيشان والغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان والسلوك الإسرائيلي قي قلب البلاد العربية، إضافة إلى دعم الأقليات بأجندات تجزيئية والاختراق الطائفي والموقف من الثورات العربية... كل هذه جملة واسعة من الأسباب الموضوعية التي تفرز الغلّو. وتحتاج حركة الغلوّ ‑كأي حركة اجتماعية سياسية‑ إلى إيديولوجيا، وهذا الذي سنلمح إليه سريعاً لرسم طبيعة إيديولوجيا الغلوّ في سياق الطرح الديني الشائع. 

إذا أنعمنا النظر في كل من التوجه السياسي الشيعي في مبتدئه والتوجه الذي تزعّمه الخوارج، لوجدنا أنهما يشتركان في العناصر التالية: (1) خيبة أملٍ مريرة من عدم انتظام الواقع مع المثال المرجو؛ (2) واستعداد كامل للتضحية؛ (3) والبحث عن نصٍ عاصمٍ قاطعٍ يعفي نفسه من عناء الاجتهاد التي تقتضيه النسبيّة الموضوعية لحياة البشر.

المصيبة الكبرى في زمننا هذا هو التزاوج الذي حصل بين هاتين البدعتين في التعامل مع النسبيّ، وهو حقل السياسة. 

فالمضمون الخارجي في تفكير طائفة الغلوّ لم يكتفِ بحرفيةٍ ظاهريةٍ عدوانيةٍ جاهلةٍ، بل أضفى على خياره السياسي الغيبية التي يُلصقها التشيّعُ الاثنا عشري بالإمام المعصوم الذي لا يصح إيمانٌ بلا الإقرار بمرجعيّته.  وبدل أن يجري تفهّم نسبية الممارسة السياسية والجهادية، جُعلت هذه الممارسة مطلقاً مُنحلاً في دولةٍ متخَيّلة وأمير حربٍ يقتنص خلافةً مفترضة.  وكذلك فإن طرح التشيع الفارسي المعاصر، برغم أنه أكثر تعقيداً بكثير من بَوار الفكر الخارجي (الخوارجي)، فإنه لم يكتفِ بتدليسٍ عدوانيٍ متجاهل، بل أضفى القدسيّة الدينيّة على المشروع الإمبراطوريّ الفارسي. وهكذا انغمس كلٌ من هذين الفريقين بأعمال قتلٍ وإفسادٍ في الأرض مما لا يقبله مبدأٌ خلقيٌ ناهيك عن دينٍ خاتم، تعلّقاً بفكرة صحّة العمل إذا كان يخدم غيباً سياسياً ويقوّي الفرقة الناجية الوحيدة.

بقي أن نقول أنّه تسرّب إلى الفكرتين أعلاه المفهوم الحداثي للدولة، وقداسة الدولة والتراب، مما جعل هذا الضرب من الفكر السياسي أبعد ما يكون عن الشاكلة الإسلامية.

4- هوية سنية أم استعادة للأمة

تشعر جموع السنّة أنه غُدر بهم. فالتعايش بين السنة والشيعة مشهودٌ له في سورية والعراق، وكذا في لبنان وإن كانت الصيغة الطائفية للسياسة اللبنانية تعكّر هذه الصورة. ولذلك ليس غريباً أن يُصدم (السنة) بمواقف الشيعة العرب الذين اصطفوا مع إيران.

الاستيطار الشيعي أعطى (السنّة) ما يلزمهم. العصبية للأقليات أمر يسير التحصيل بينما هي عسيرة للأكثرية. تكتنف الضمير الشيعي مشاعر ظلمٍ تاريخي طويل، وهو ظلم ديني مليء بالمعاني الغيبية التي لا تحتاج إلى تفسير أو برهان. أما ما يشار إليه بالسنة فلا يتجاوز كونه رابطة مرنة وإطارٍ جامعٍ مفتوح، وهو يعوزه التعصّب تعريفاً ويصعب عليه –هيكلياً وبسبب الحجم الكبير– تطوير عصبية صلدة. تنكّب الشيعة للمجتمعات الكبيرة التي يعيشون فيها حفز في السنة شعور الغيريّة، بمعنى أن غيرنا الشيعي هو حقاً ليس من طينتنا، وأننا نعجب من عقده التاريخية وتأصّل كُرهه لنا، وأنه لم يكن يوماً منّا ولا جزأ من حضارتنا، وأنه كان دوماً وبلا أي سبب سياسي خائناً مناصراً لعدونا، وأنه هو الذي تماهى مع الفرق الباطنية فاستحقّ التكفير؛ وكل هذا يلخّصه استساغة إطلاق وصف المجوس على الإيرانيين.

غير أنّ رفع هوية سنية تحديداً ما هو إلا مضاهاة لا داعي لها.  فليس من اسمٍ أو وصفٍ نخلعه على أنفسنا أقوم من أننا مسلمين.  مسلمون وكفى، وأي تقليصٍ لهذا العموم هو إجحاف بهويتنا. هذه الهوية سنّية بمعنى اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم والتمسّك بكليّات الدين.  والتمسّك بالكلّيات يسع التأقلمات الجانبية التي هي من طبيعة مسيرة التديّن في حياة الإنسان الضعيف.  هوية الأمة هي الأوسع والأجمع، وهي التي تعكس معنى الوسطية.  ومحاولة التأكيد على الهوية السنّية تختزل صورتنا الى فرقة؛ والفرقة مهما كبرت تبقى فرقة.  إنه ينبغي علينا أن لا نتخلّى عن موضع الأصل المتصدّر الذي يمثله السنّة كحاضنٍ للأمة بكل ألوانها.  ومحذور إطلاق مصطلحٍ مخصوصٍ أصغر من الإسلام يدفع ‑مع مرّ الزمان‑ إلى الارتكاس الى فئوية ضيقة، أو يدفع الى رغبة المبارزة في معارك جانبية داخلية تصرف عن الواجبات الكبرى.

تاسعاً: المنطق الواقعي و  سياسة الأمة

القيم العليا تمدّ الناس بآفاقٍ متجاوزة للواقع، غير أن التحقّق في الأرض لا يمكنه أن يتجاوز الواقع، بل إنّ فهمه فهماً قويماً هو شرطٌ للتحقّق من جهة وهو مما يدعو إلى فهمٍ أعمق للمنظومة الملهمة للقيم من جهة أخرى. ولعل هذه هي العقدة التي يتراوح فيها الحراك الثوري بعد أن طاحت به لاواقعية الأحلام تارةً وأسر الواقع تارةً أخرى.

1- قطف الثمار

كم هو مؤلم أنّ الجواب على أسئلةٍ مثل: لماذا لم نقطف ثمار الربيع أو لماذا تأخر نجاح الثورة أمر غير يسير. ومهما فصّلتَ من أسباب، الجواب غير شافٍ لكثيرٍ من الناس.  ولكن هل هو صحيحٌ بأننا لم نقطف أية ثمار، وهل تأخّر الانتصار فعلاً؟  ربما يساعد على الفهم أن نطرح قبل ذلك أسئلةً أخرى: ما هي الثمار المرجوة أصلاً وما معنى (التأخر) وما معنى (الانتصار).

المفارقة أنّ الحديث اليومي للناس يوحي بأنّ تغييرات هامة قد حصلت فعلاً، وهي تعكس نفسها بأشكال متنوعة تضم طيفاً واسعاً من الأفكار والمشاعر، وتعيش معنا ولو لم تكن ملموسةً مادياً في اللحظة الراهنة. والحقيقة أنّ أي لحظةٍ من اللحظات الفاصلة في مسيرة الثورة العربية لم تذهب أدراج الرياح، ولو بدا أحياناً أنها غابت أو وقعت في دائرة من الحيرة والتساؤل.  فعزّة البائع البسيط في تونس سوف تبقى ذكرى شاخصةً في التاريخ، وصورة ميدان التحرير كأيقونةٍ تحكي القدرة الجماعية للشعوب لم تنطمس في ذاكرة العالم، والصبر العجيب للثورة اليمنية وضبط النفس أمر لا ينطمس، وتصميم الثورة الليبية أمر حقيقي ترى انعكاساته على الواقع، والجرأة المعجزة والثبات الرائع للثورة السورية يمثّل أعمق تعبير عن صلابة الإرادة البشرية.  كل هذا يبقى صحيحاً رغم محاولات الالتفاف على الثورات، ورغم تحالف خوالف الاستبداد الداخلي مع أطماع السيطرة الخارجية، ورغم كل القصور الثوري.

وهل ثمة ثورة بلا أخطاء وقصور؟  وكيف نتكلّم عن انتصارٍ ناجزٍ كأنه كان محفوظاً في قفصٍ امتلكنا مفاتيحه فجأة؟ وعلى العكس من ذلك، قد يكون المقامُ الآن مقام رصد التقصير في جملة مجالات من أهمها الثقة الطافحة بالنفس عند الشباب المتحرّك، وبطء استجابة المثقّف، واعتباطية قرار السياسي.  وإذا عُذِر الشباب الطامح وطَهّرت تضحياتُهم أخطاء الثورة، فهل يُعذر الفرقاء الآخرون؟

هل يُقبل من المفكّرين والمثقّفين أن ينزلقوا إلى مدارك التسطيح التي ترسم عملية التحوّل الديمقراطي كعمليةٍ مكتبيةٍ تُكرّر فيها عباراتٌ قديمة لمفكّري عصر التنوير؟ وهل يُقبل منهم عدم الحياء المنهجي في الاستحضار المتكرّر للثورة الفرنسية، وهي التي حدثت في زمنٍ تاريخيٍ مختلف وسياقٍ حضاري مُغاير؟ وإذا كان ثمة دور حاسم للمفكرين فهو التأكيد على مفهوم الصيرورة، وأن التغييرات التاريخية ليست عملية استنساخٍ وتقليد، وأنه ليس هناك (كاتالوجات) جاهزة لعملية الدمقرطة، وأن الاستفادة الواجبة من تجارب الآخرين هي عملية تدبّرٍ وتقدير لا عملية نقل ومحاكاة.

وربما وجبَ الاعتراف بأن الأسئلة الخائفة والمتشكّكة هي أسئلةٌ بريئة، وبأنّ سبب ورودها مُفسّرٌ ومتوقّع.  ولو أمعنّا النظر في هذه الأسئلة لوجدناها تنبثقُ من فهمٍ يغيب عنه الاختلاف في حركة الزمن بين حسابات الأفراد وحسابات التاريخ. إن الآلام العظيمة التي ترافق سيرورة التغيير تكون دائماً طويلةً جداً في حسابات الأفراد.  وحقّ أن تكون كذلك لأن فيها غالباً ما لا يحتمله فردٌ بشر. غير أن لمسيرة التاريخ حسابات من نوع آخر. ولهذا يتحدث الناس عن العصر الفلاني وهم يقصدون فترةً امتدت قروناً، ويعدّون تطور الأحداث بالعقود لا بالشهور والسنين، وكأنّ العقد هو شهرُ التاريخ أو أسبوعه.

والتاريخ يتفاعل مع الجغرافيا، فكلما اتسعت الجغرافيا كبُرت الوحدات الملائمة للحديث عن التغيير.  وما الثورة العربية –وكما يظهرها فرعها الشامي خصوصاً– إلا زلزالٌ وصلت ارتداداتُه إلى بقاعٍ شاسعةٍ تتلاطم فيها الأمواج الجيوسياسية، وبركانٌ سبر أعماقاً تاريخية تعتصر في طبقاتها تجارب الشعوب، وولوجٌ في فضاءات ثقافية تتألّق فيها الهويات والأفكار وتتعارض...

هذه هي حدود التغيير الحضاري الذي يعتلج به زمننا، بإدراكٍ منّا أو غفلة.

2- عودة النموذج السلطاني

بلا كثير تنظير وفلسفة، لسان حال الناس يقول نريد سلطاناً يدير أمور سياستنا. وهذا السلطان قويٌ تجتمع عليه الناس، ومعتدل يحاول تصريف الأمور بيسرٍ وحكمة، وهو من جلدتنا تأكيداً. ولا نكترث إذا كان ذلك على صورة ديمقراطية أو ملكية دستورية أو متغلّب من الشطّار، ما دام أن استقامت مسيرتُه ولم ينعقد همّه على الظلم والانتقام.

ولا أعجب من التعجّب من هذا التطوّر. فالديمقراطية آليات وفلسفة، وفلسفتها الليبرالية تتصادم مع النسق الثقافي لمجتمعاتنا، وتجاه ذلك هناك احتمالان اثنان. الأول أن يفرض النمط الليبرالي نفسه سياسياً ومن فوق. ولكن ليس هذا إلا نظيراً لحال تركيا الكمالية وإيران البهلوية ومصر وتجارب أخرى أيضاً، وهو الذي أخفق إخفاقاً ثلاثياً: أخفق في التنمية ووعد الرغد، وأخفق في السلم بل عمّق الاستقطاب المجتمعي، وأخفق في ديمقراطيته النظرية وسرعان ما انقلب إلى ديكتاتورية مقنّعة أو غير مقنّعة. وبالطبع، نتكلّم هنا عن ديكتاتورية ليبرالية قد يكون بجانبها لافتات ديمقراطية أو مساحات حرّة ضيّقة.

 الاحتمال الثاني أن تفرض آليات الديمقراطية نفسها، وسرعان ما ستبحث لنفسها عن مستندٍ وفلسفةٍ ونسقٍ أخلاقي هو بمثابة مبادئها فوق الدستورية، ولن تجد ذلك إلا في تاريخها وفي روح ثقافتها، ولذا سيدخل نسق الحضارة الإسلامية على نحوٍ أو آخر. وقد يكون الدخول واعياً ناضجاً من البداية، أو يجري التجريب الذي لا يخلو من التناقض إلى أن يتمّ النضوج والبناء على الأصل.

 لقد ظهر للناس أنه حتى آليات الديمقراطية هي محرّمة على بلادنا. ولما كانت الآلة الحربية تهدم الحياة بتقدّمية، ولما كانت الآلة الديبلوماسية تتبنّى الديكتاتورية بديمقراطية، ولما كانت الآلة الإعلامية تشوّه الثقافة بليبرالية، وحيث أنه تواطأت هذه الآلات رغم تعدّد أعلامها وتنافس مصالحها، فإن فطرة وسطيّ الناس سئمت السماع للوعظ بحقوق الإنسان وإتيكيت التكبّر، وتطلّعت إلى البدائل التي لا يشوبها الضلال.

   سوف يتابع المنظّرون الجدل فيما يسمى الفصل والوصل بين الدين والسياسة وكل الاختلاط في ذلك، في حين أن وسطيّ الناس قد حلّ مشكلته بنفسه. السلطة للشعب يُعهِّدها لمقتدرٍ محبوبٍ ثقافياً (ولفظ السلطان في العنوان بهذا المعنى)، والشريعة هي القيم الراقية والرؤية الخلقية الناظمة والتوجيهات الهادية. أمل الناس اليوم هو في نموذج معاوية و محمد الفاتح، وليس في نموذج أبي بكر أو عمر بن الخطاب رغم شرفهما.

خاتمة

غاب العرب عن المشهد التاريخي للمسلمين قرنين اثنين، قرن كسلٍ وقرن ضياع. العرب يعودون إلى مركز الحضارة مرة أخرى ليمارسوا دوراً لازباً بهم. هم عربٌ بمعنى امتلاك لسان الهدي الخالد. ولقد وقفت القومية العربية في وجه سؤدد العرب لأنّ تعايشها مع العالمية الإسلامية مستحيل. القومية في حقّ العجم من المسلمين واردة، كأن تفخر الملّة التركمانية أو الكردية أو الأمازيغية بما قدّمت للإسلام في تاريخه. أما العرب فلا يمكن أن يجتمع لهم فخران، والعصبية الدينية هي وحدها التي جلبت عزاً للعرب. ولو سُمح لخيار القومية العربية بالتسيّد لاستحوذ على الإسلام، ولو تسيّد لأخفق في ذلك لأن مرتكزات الهوية هي الدين واللغة والتاريخ وكل من هذه الثلاثة عالمية الطبيعة وساهم فيها غير العرب. كما أن أي عصبية قومية عربية سوف تطرد الأمة لزوماً، ولكن الأمة باقية بقرآنها، وقرآنها عربي اللسان فيعود ويُحي مسؤولية العرب للقيام بدورهم.

ومن موانع تشكل قومية عربية هو أن العرب ليسوا أحراراً في التعامل مع لغتهم. اللغات الأعجمية للمسلمين أدخلت كلماتٍ أجنبية إلى صلب لغاتها، ولكننا نحن العرب غير مخوّلين –بالتزامٍ ذاتيٍ ومن الخارج– أن نعدّل لغتنا أو أن نُبعدها عن لغة التنزيل. وإذا لم نكن نمتلك احتكار اللغة بناء على اختصاصنا القومي، فلا يمكن أن ندعي قومية نابذة للإسلام، وإذا كان تعليمها فرضاً كفائياً فاحتكارها قومياً غير ممكن. وإذا كان القرآن هو الذي ينعي على الأعراب وفي الوقت نفسه يكرّر التذكير بأنه لسان عربي مبين، كان الرابط القومي مرفوضاً وواهياً داخلياً. وأخيراً، فإن عالمية الإسلام تأبى استلاب اللغة لإطار أضيق من إطاره الواسع للبشرية، كما أن تعريف العربي بغير اللسان مستعصٍ، وتعريفه باللسان لا ينزع عن الناطق بالعربية من غير العرب منبته، فمثلاً لا يُتصور الادعاء بأن الغزالي غير عربي بالنفي وإن ربما يصحّ عدم قول ذلك بالإيجاب.

الدولة العثمانية كانت أول منظومة سياسية شاملة للمسلمين وهي بغير اللسان العربي، حيث كانت العربية لغة الإدارة فحسب و الفارسية لغة الأدب و التركية لغة التعامل. ولا يمكن إلا القول إنه كان لذلك الخيار تبعات. ولا نريد هنا أن ننضم إلى الجوقة التي تصف الفترة العثمانية بكل نقصٍ وترميها بالجمود، والأبحاث الجديدة عن الإمبراطورية العثمانية تُظهر إبداعاتٍ إدارية ومرونة فائقة، هذا ناهيك عن أنها متطاولة زماناً ولا يمكن حصرها بوصفٍ واحد. كل الذي نريد قوله هو أن هذه التجربة التاريخية من ناحية اللغة افترقت عمّا قبلها من تجارب افتراقاً في ناحية حيوية تتصل بالثقافة والتشكيل الذهني الذي تحتضنه اللغات. وأضافت التجربة العثمانية بُعداً آخر يحاصر التجدّد في اختراع منصب شيخ الإسلام (المفتي الرسمي). فأصبح هناك عاملان إشكاليان: سلكٌ إداري يُنظّم الاجتهاد فيخنقه و يسيّسه إلى درجة لم تُعرف من قبلُ في تاريخ المسلمين، وغيابٌ نسبيّ للعربية عن كونها اللغة المرجع. وقد نُظر إلى تنظيم الفتوى أنه إنجاز يومها، ولعلّه لم تتضح إشكالية اللغة إلا بعد إبعاد العربية على أيدي الكماليين، وها هي تركيا اليوم تحاول استنقاذ اللغة العثمانية التي تفاعلت مع العربية تفاعلاً كبيراً بعيداً عن أَوْربة اللغة التركية. وهذا جزء ثقافي ضروري لمحاولة الاضطلاع ثانية بمهمة تاريخية قامت بها الأقوام التركمانية، درعاً لبيضة الإسلام وحصناً له. ونريد أن نؤكّد هنا أن تلوّن الألسنة آية من آيات الله، ولا نقصد أنه ينبغي أن تُمحى اللغات غير العربية، وإنما أنّ الحضارة المسلمة لا بدّ وأن تكون العربية في مركزها.

وعودة إلى لبّ موضوعنا، لا يمكننا أن نذهل عن أن ملامح ظهور الأقوام العربية ليس وحيداً، بل يتعاصر مع ظهور الأمم التركمانية وظهور الأمة الفارسية وظهور الأمم المسلمة لجنوب آسيا وظهور الأمم لأقصى الشرق، وكل ذلك يتساوق مع تمكّن أهل الصين وأهل الهند إلى جانب ذبولٍ نسبيٍ في تمكّن الأمم الأوربية.  

يعود العرب من المسلمين ليأخذوا مكانهم في التاريخ من غير منّة، فلم تنقطع أدبياتهم أن تكون هي ملهم التغيير في غير بلادهم وبلاد غيرهم من المسلمين. وفي العالم التواصلي الذي استحال إليه الزمان، سرت بين العرب فاعلياتٌ لم تتوافر شروطها من قبل. ومن اللافت للنظر خصوصاً وعي الشعوب العربية بخصائصها سلباً وإيجاباً. لقد أصبح في كل قطر عربي شعور حادّ ثنائي: شعور بكمونه الذاتي وشعور بقصوره وعيوبه أيضاً؛ وكذا تطوّر الوعي بالأخ العربي في هذين الوجهين. حتى وكأنه تقاسم العرب المهمّات، فتخصّصت بلدان المغرب بالفلسفة، وأرض مصر بالمشاريع الكبرى، وبلاد الشام بالمساهمات المبدعة، وبلاد الجزيرة بالإسعاف، والأطراف العربية موضع التجارب... ومن المناسب التأمّل فيما سأسميه (العراق الترس) و (المغرب الرمح)، لأنه يبدو غائباً عن الذهن من جهة والتنظير فيه متخلّف من جهة أخرى.

للعراق استثنائية منسية، وإذا كانت العروبة غير متصورة بلا مصر فهي لا يمكن أن تكون بخير والعراق معتلّ. فأرض العراق كانت مركز الدولة العالمية الثانية للمسلمين، غير أنها فيما بعد ذلك تابعت تاريخها وكأنها لوحدها أو كأن لقومها مهمة خاصة، ألا وهي حماية الجبهة الشرقية من الدَخَل، تحول دونها أو تهذّبها. وزاد هذا الدور المزمع بعد نجاح تشييع إيران تشيعاً صفوياً. ومن الجهة الأخرى هناك المغرب العربي الاستطالات نحو أوربة. وهو الذي تكسّرت عنده جيوش الفرنسي، ودولة المغرب –باستمرار تماسكها السياسي بعيداً عن مركز الخلافة المعرّض للضربات– كانت جبهة التعامل مع أوربة كقارة، ثقافياً و ديمغرافياً منذ زمان الأندلس وحتى زمن الاسترقاق الأمريكي الذي ضرب الجنوب الغربي في السنغال متوجهاً فيما بعدُ شرقاً وجنوباً.

ملامح التغيير الحضاري شاخصة وإن كانت غير حاسمة أو مكتملة بعد. وإذا توازى هذا الثقافي مع الجيوسياسي بتشكّل كتلة فدرالية مغاربية وكتلة فدرالية لحوض النيل وكتلة فدرالية لبلاد الشام وكتلة فدرالية للجزيرة العربية... فدراليات داخلها إداراتٌ محلية وتتوّج من فوق فيما بعد باتحاد كنفيدراليات... إذا حصل توازي الشرط الثقافي مع الشرط المادي تكون قد اكتملت حلقةٌ لتغييرٍ حضاريٍ بالغ.

مازن موفق هاشم

20-06-1438 هـ / 18-03-2017 م