الجمل والبئر

الجمل والبئر

في طرف من أطراف القرية الوادعة كان الجمل يرعى إلى جانب بئر قديمة مهجورة، غار ماؤها وأهملت صيانة جدرانها وأطرافها فانهار جانب البئر وتردى الجمل فيها. وفي هدأة الليل كان صياح الجمل وصراخه مما ألمَ به من كسور وجروح يقطع الصمت المخيِم ويملأُ القرية حزناً وذعراً من صيحات الاستغاثة وأنين التضرع.

اجتمع أهل القرية عند الصباح ورأوا ما حلَ بالجمل المسكين وأعيتهم الحيلة لاستخراجه أو فعل شيء لمساعدته، فالجمل ثقيل والبئر عميق فرجعوا وهم لا يدرون ما يصنعون. وبعد أيام وقد ضاق أهل القرية بالصيحات التي تقلق نومهم وتنشر الذعر ليلاً بين أطفالهم، تشاور الناس وأجمع رأيهم على ردم البئر فقد أدركوا خطورتها على أطفالهم ومواشيهم، وأما الجمل فلا بد من دفنه حياً ليتخلص من آلامه وأوجاعه المبرحة وبذلك يكون أهل القرية قد عالجوا مشكلتين في وقت واحد.

انطلق أهل القرية وجمعوا عدتهم وبدأوا الحفر ونقل التراب إلى البئر ورميه فيه. وفي آخر النهار أطل الناس ليروا ماذا حلَ بالجمل المسكين وهم يتوقعون أن يكون قد أشرف على الموت وقد غمره التراب أو أوشك، فهالهم ما رأوا ولم يصدقوا عيونهم. لقد كان الجمل ينثر التراب كلما تساقط على ظهره ويدوسه بأقدامه بحركات الهياج فكان أن ساعده ذلك على دكِ التراب والعلو والارتفاع كلما زادت كمية التراب حتى غدا قريباً من الأرض.

وفي اليوم التالي عاد أهل القرية إلى البئر بحماس ونشاط وأتموا ردمها وخرج الجمل يمشي وتمكنوا من معالجته ومداواته. لقد أراد أهل القرية أن يدفنوا الجمل حياً فكانت خطة دفنه هي طريقة النجاة والانقاذ وكان ما قدروه موتاً محققاً هو السبيل إلى الخلاص والعلاج.

كان الشيخ يروي لتلاميذه قصة الجمل الجريح بعد أن لمح في أعينهم حزناً وقلقاً مما يسمعونه من النقد والتجريح وموجات الاتهام والافتراء، ثم قال لهم: تذكروا يا أبنائي قصة هذا الجمل واعلموا أن النقد والتجريح الذي يريده الأعداء والمغرضون موتاً ونهاية سيكون إن شاء الله الوسيلة التي تخرجكم من عزلتكم وتمشون بعدها بين الناس ولا تتورطون في تجاهل الواقع أو تجاهل أحد مكوناته وعناصره وستكونون – إن شاء الله قادرين على مخاطبة الناس من موقع حي متحرك تفهمون عنهم ويفهمون عنكم. يا أبنائي "ربَّ ضارةٍ نافعة" وتذكروا الحكمة التي تربطكم بقدر يحركه ويسدده لكم عالمُ الغيب والشهادة الذي قال: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّ‌ا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ‌} [النور:11].

والله المستعان

الكاتب

رياض أدهمي

كاتب وباحث وشاعر يهتم بالمناهج التربوية و علم مقاصد الشريعة