الوسطية والسجود وتعلق الهمة

الإنسان مخلوق متسائل بطبعه، محور أفعاله وسلوكياته هو طرح الأسئلة على الكون وآياته، والقرآن بآياته المعجزة يدفع الإنسان إلى تشكيل الأسئلة. القرآن والكون يدل كل منهما على الآخر. هذه المنهجية لتشكيل الأسئلة وطرحها ومحاولة الإجابة عليها هي العملية الدائمة للاقتراب من الحقيقة التي تخرجنا من إشكالية عبثية الوجود.

والإنسان كمخلوق في تحدٍ دائم في جعل السجود لله تعالى في الصلاة (باعتبارها قبلة حركة المسلم) ممكناً وقابلاً لتحقيق السجود الكامل لله كسجود الكون والمخلوقات لله كامل التحقيق. هذا التحدي يتطلب حركة وبناء لقدرة الإنسان من أجل تمكنه من الجنة. فالإنسان يتحرك داخل عالم الغيب في اتجاه عالم الشهادة بقدر ما يقترب من الحقيقة من عالم الشهادة.

رسالة الأنبياء هي تحقيق هذا السجود، فإبراهيم عليه السلام أراد تحقيق السجود وتمكينه لأمته عبر الهمة. والصلاة في قصة موسى عليه السلام هي وعي الاستقامة كضرورة للتحرر من الاستضعاف والتمكن من الكون. وعيسى عليه السلام يضيف للصلاة حيرة السجود، فقد يتمكن الإنسان من الشيء لكنه قد يكون سجيناً لهذا الشيء في الوقت نفسه. أما في قصة محمد صلى الله عليه وسلم فقد تحقق الاكتمال للسجود الكلي لله سبحانه وتعالى، وهو الأسوة والشهيد على الأمة والإمام المقتدى به. محمد عليه السلام يجسد تمكّن الإنسان من الاقتراب من الحقيقة وشهادته على الأمة بأن جعل السجود ممكناً على الصعيد الاجتماعي. وهنا يأتي مفهوم الوسطية من كونه لحظة تحول من مشروع فردي إلى مشروع أمة. الأمة الخيرة هي التوحد حول فكرة تحقق السجود وليس التوحد حول تحقق عرق أو طائفة أو جنسية.