العدالة والذات

العدالة والذات

تعلمنا من السفسطائيين قديماً أن الإنسان ذات قبل أي شيء آخر، وأن لا حقيقة خارجية إلا ما يراه هذا الإنسان مناسباً لذاته لأنه مركز الوجود؛ فكل نظرة إلى الوجود هي ذاتها منظور الذات لنفسها في هذا الوجود، فتذويت الحقيقة تعني ببساطة أن الحقيقة تنبع من الذات الإنسانية المتفاوتة في رتب الوجود بين الأعيان الفردية، فالحقيقة هي حقائق ذاتية لكل فرد !وشرط الحقيقة فلسفياً يتموضع في الذات الفردية التي تعمل على إنتاجها أو مجرد تمثيلها ذاتياً .

أفلاطون من بعدهم عمل على تجريد الكمال الإنساني من تجسيدات النقص والخلل في أرض الواقع، فالعالم المثالي الذي يبنيه تصورياً يشترط فيه تجاوز الحسيات باعتبارها مصدر الزلل والعيب الإنساني الذي يحط من قدر كمالها، وحتى يتجاوز عيوب النقص الواقعية ذهب مذهب أن الخصائص المثالية للكمال يجب أن تكون كذلك من منبع ذات مثالية، ولهذا رفض رأي السفسطائيين في جعل الذات معياراً للحقيقة والفضيلة على اعتبار أن الذات لديه ليست فاضلة ولا خيرة ولا منصفة بذاتها. فهي بين حدي الحس والعقل في تمثل وإدراك المعرفة من خلال التجربة الإنسانية، على أن الذات لديه لا يمكنها إلا أن تفارق الحس بالمطلق إذا ما أرادت حيازة الحقيقة الكلية.

الذات ليست معيار العالم ولا مرجعيته، بل إن وجودها يستخرج من العالم، فالعقل يدبر نظام الأشياء بعد حصول الذات على المعرفة التي تحميها من الزلل، فمن خلال العقل المعرفي تستطيع الذات العاقلة تحصين نفسها بتحقيق النظام المحاكي لنظام الطبيعة وفق قوانينه الضابطة له من الفوضى وهذا بالضبط هو غاية الاجتماع البشري فيما أسماه الدولة/ المدينة.

فالبداية عند أفلاطون هي قلب للمعادلة السفسطائية، الأصل هو المدينة والفرع هو الذات وليس العكس، ويجب على الذات قبل كل شيء أن تراعي نظام الدولة / المدينة قبل أن تلبي متطلبات ذاتها الخاصة. فالذات لا تفهم وتعي ذاتها إلا بوعيها الكلي بنظام الطبيعة.

نستطيع المجازفة بالزعم بأن الدولة / المدينة ليست إلا التجلي لمسألة الذات في علاقاتها بالحقيقة على مستوى الجماعة.

فالدولة هي نفسها ذات جماعية، أو يصح النظر إليها كإطار جماعي جامع للذوات الفردية المتشظية بما يمكنها من تحقيق ذاتها المتماسكة. ففضائل الدولة / المدينة هي بالمنتهى فضائل ذاتية فردية لدى أفلاطون، فالعدالة كمثال للدرس هنا، هي غاية الدولة لديه التي تسعى لها من خلال تحقيقها واقعياً قبلاً في الذوات الفردية.

بعبارة مختصرة: إن عدالة الدولة / المدينة مسألة تعتمد على قضية أن الفرد عادل بذاته في هذه الدولة، مما يوحي بأن الدولة كقضية اعتبارية ليست إلا المجموع الكلي لعدد أفرادها، فمعيارية الدولة العادلة ترتكز إلى اعتبار أن الفرد عادل فيها، فلا معنى لعدل الفرد خارج إطار عدالة الدولة أو لا وجود لدولة عادلة بغياب الفرد العادل؟

ليست الدولة مجموع أفرادها، ولا طبيعة الدولة صورة عن أخلاقيات مواطنيها. لكن السياق التاريخي على الأقل في جانب نظمه الفكري لتكوين الدولة قديماً يدلل على مسألة مركزيتها الذاتية التي تدور في فلكها الذوات الفردية لمواطنيها.

فلم يعد الإنسان قادراً بعد بروز الدولة على عيش حياة الطبيعة قبل الدولة وقبل نشوء الوعي بذاته. إنه الإنسان بشرط الدولة، كما هو إنسان بقيد الجماعة في التجمعات الاجتماعية، بمعنى أنه لم يعد ممكن تخيل ذات إنسانية بما للإنسانية من معنى خارج حدود الدولة إلا بإسقاط البعد الإنساني عن كينونة وجوده.

فكأن الدولة / المدينة هي الإطار الوحيد لإبراز المضامين الإنسانية وترقيتها كما يفهم من إعلاءه لذاتها الجماعية على حساب ذوات أفرادها المكونة لها. فهي المنطلق، وعندها المنتهى، كما أنها المطلق الذي لا يعلوه إطلاق مغاير.

تستمر هذه التقاليد الفكرية مع أرسطو فيما بعد، مع فارق جوهري أن الدولة لديه ليست مطلقة، فيفسح بهذا مجالاً شاسعاً لذات الفرد خارج إطار هيمنة الدولة الضاغط ولكنه لا يسقط هذا الإطار الضابط للحركة الوجودية للفرد. ويمكن القول بأنه يغير من وظيفتها وطبيعة وجودها. فبدل أن كانت الأرضية التي تحقق للذات ذاتيتها داخل كينونتها، وبالتالي فإن المنطلق الأول الذي يراعى قبل مراعاة حاجيات الذات، أصبحت تعتمد في تأسيسها على تأخير متطلباتها وتقديم أولويات أفرادها، فهي تعبير مؤسسي عن واقع التباين والتعدد المتنوع بين ذوات أفرادها كل على حدة.

 هذا التباين بين الوحدات الفردية لا يلغي بعضه بعضاً، وليس الواحد فيهم نقيض للآخر، بالقدر الذي هو فيه شرط تعريف الذات من خلال وجود الذوات المغايرة لها.

افترض أرسطو أن ما يحفز الذات على التواصل والحوار هو ضرورة وجود الذات المغايرة لها، أي أن إدراك الذات يعتمد على قضية الاختلاف؟

فبقاء وحدة الدولة مسألة ترتكز إلى مراعاة الفوارق بين الذوات بالعدل، فما أسماه أفلاطون بالذات الجمعية كضرورة لإدراك الذات جعلها أرسطو تتأسس استناداً إلى مسألة الاعتراف بالاختلاف بين الذوات.

 أفلاطون يرى بأن الوجود الكلي (الدولة) يشتق من داخله وجود الجزئيات المكونة له (الأفراد)، أما أرسطو فيرى أن ما يمكن من وجود الكل (الدولة هنا) هو تعبيره عن تعدد وتنوع الكليات الجزئية داخله من خلال توظيفه لآليات التواصل بينهم.

في الاتجاهات الثلاثة أعلاه نلحظ أن العدالة لها تعلق وطيد بالذات الفردية، بلغة معاصرة إن العدالة قديماً في الاتجاهات الفلسفية هي إشكالية الذات في علاقاتها مع:

  • ذاتها أولاً، تقيداً أو تحرراً من سلطان الدولة.
  • الذات المغايرة لها داخلياً.

************

تطور السياق التاريخي من فترة الإغريق إلى الحقبة المسيحية التي فيها أصبحت العدالة مرتبطة بالذات الإلهية في رسالتها إلى الأفراد، وهي منظور للوجود الإنساني من زاوية الوجود الكوني الذي يتموضع فيه الكائن. أصبحت فلسفات العدالة والحق كلها قضية لاهوتية خالصة، تشتق دلالات مفاهيمها من إطار فلسفة الوجود والخلق الإلهي وليس من إطار الدولة، على ضوء وظيفة الإنسان في العالم تجاه خالقه.

والمفارقة تاريخياً أن كل أدبيات العدل الإلهي طُمرت تحت ركام المحسوس من قهر وعسف الناطقين باسم عدالته. فالعدل الإلهي نظرياً لعب دور إطار الدولة الأفلاطوني في ضبط الانضباط والامتثال لها من الذوات الفردية.

فالعدالة الإلهية تسليم فوري بالإنصاف الإلهي من منطلق التسليم الطوعي الداخلي بالإيمان، بحكم أنه لا يتصور صفة الظلم في الخالق العادل، وبناءً عليه تدوي صراخات المظلومين في العدم باسم العدل الإلهي من طرف ممثليها.

لم تعرف التجربة الإسلامية تجربة مماثلة لدور الكنيسة في تمثيل والنطق باسم الإله، والإنصاف يقتضي أن نرى التشابه بينهما من زاوية سلوك الدولة المسلمة وحتى بعض المتماهين معها من العلماء فيما يتعلق بالاختلاف والاعتراف به على ضوء العدل الإلهي.

ومن الإنصاف أن نقرر بأن مخارج السلوك الديني هذا طبيعي وله تماثلات قديمة وحديثة معاصرة لاعتماده آلية منطقية واحدة رغم تعدد ممثليها وممارسيها، فكل تصور كلي مطلق ابتداءً له دور جلي وقاهر في موضعة باقي التصورات الفرعية تحت سلطانه، فما تقدمه ابتداءً هو بالضبط ما يؤخر غيره انتهاءً، والمقدم في هذا هو المطلق في الذهن هيمنة على ما عداه. نجد ذلك في العلم المعاصر الذي يلعب دور الدين قديماً، فلأنه مقدم في الذهن بما يشكل مرجعية ذاته فلهذا هو مطلق، يتم تأويل كل الوجود من زاوية إطلاقه بما يخدم بقاءه مطلقاً، فهل ظلم الكنيسة ومن شابهها في هذا المجال يقارن بفداحة الثمن إنسانياً للتقدم بالوعي باسم العلم؟

الآلية واحدة، المنطق ذاته، الأشخاص والأسماء فقط تتجدد.

************

في السياق الحديث، والذي بزغ من رحم النبذ والرفض لفلسفات العصر الوسيط الدينية، نلحظ أن أدبيات العدالة فيها نزوع قوي لصد التصورات القديمة ببناء جدران محكمة بنيوياً لمهمة الصد.

ولأنها قامت على الرفض فقد أسست ردودها على نقيض القديم غالباً، فطردت الإله خارجاً مما يستلزم تأليه الإنسان ضمنياً في صورة حيازته لملكية ذاته بإطلاق، التي تقتضي بدورها استقلالية عن أية وصاية خارجية عن الذات، وتحريراً للوعي ممن استلبه من الذات لصالح قوى مغايرة.

فالإنسان الحديث هو مرجعية ذاته، فلا قيد ولا شرط على سلوكياته من خارج ذاته، فهو متحرر إلا من قيود الذات، وقد تبدو هذه مسألة نظرية حالمة، لكن من الضروري رؤية الكثير من الفلسفات والمذاهب على أنها تشكل الدافعية للعمل إيماناً بصحة تصوراتها وليست بالضرورة حقائق موضوعية على أرض الواقع؛ أي أنها نظريات تروم تحقيق ذاتها في المستقبل، أقرب ما تكون إلى الوعد الحالم منها إلى العهد الضامن. هذا الإنسان المعاصر، يدرك أول ما يدرك، ومن خلال خبرته المقارنة بالماضي، أن التمايز بين الأفراد هو قاعدة الاشتراك المجتمعي، فمن الطبيعي أن تكون تصوراته لبناء الدولة تعبر عن صورة ذهنه حول هذه التباينات الذاتية للأفراد.

تجد أن جلّ نظريات القومية وتشكيل الأمة تشير إلى مسألة التعاقد بين أفراد هذا المجتمع، منذ القديم وإلى هوبز ومن بعده، والتعاقد آلية تخيلية لا حقيقة تاريخية لها، وهذا لا يستلزم الكذب المضاد للصدق، فهي مجرد آلية نظرية لشرح الواقع أي أنها فرض تخيلي يمكن من فحص البنية في سيرورتها وتشكلها ومحاولة تحسينها وفق معادلات التغيير.

كذلك الأمر في نطاق الدولة الحديثة التي ستوكل لها نظرياً مهمة تنظيم هذا التواصل بين الذوات الفردية المتغايرة في شكل تعاقد متبادل يحترم فيه كينونة كل ذات متميزة عن غيرها داخل وحدة كلية جامعة هي الدولة.

ومن البدهي ذكر أن هذا التعاقد كذلك تخيلي لا مصداق واقعي له، وما يفرقه عن التعاقد المؤسس للدولة هو أنه هنا قائم في شكل تواصل حواري بين ذوات متعينة واقعياً ومتعايشة ظرفياً في وحدة جامعة مهمتها تنشغل بديمومة الوحدة من خلال ديمومة البقاء الذاتي بما يضمن العيش بنظام بعيداً عن فوضى الطبيعة الغرائزية لدى هوبز فيما قبل الدولة.

************

المفارقة الجديدة هي أنه من رحم الوعد برز الوعيد.

رفع العقل في العصر الحديث إلى مرتبة المطلق رداً بالضبط على حقبة الغيب اللاعقلاني الكنسي، من خلال جعل العقل منظومة تماهي نظام الطبيعة، وتستقل بمرجعية ذاتها عن أية مرجعية مغايرة، فغدت مغلقة على ذاتها، لا تمكن من التواصل بين الذوات المتغايرة، فليس هناك عقل واحد في كل الذوات إلا بما تجرد به من الذات، فالعقل الحديث استبدل دولة أفلاطون بذاته في قمع الذات لتقرير أحكامه. فعائق الذات الحديث ليس إلا العقل ذاته، ناهيك عن أنه يحجز ويحجب التواصل بين الذوات المتغايرة بما لا يسمح للدولة الحديثة بالتشكل إلا على حساب التقييد من سلطانه وتهذيبه. فمعاناة الذات الحديثة هي تعبير عن لا عدالة العقل تجاهها، وهذا إضافة مضاعفة لمعاناته أفلاطون مع عدالة الدولة بحكم كون الذات العادلة شرط الدولة العادلة لديه، فهو لا يتصور وجود ظلم للدولة المتكونة من أفراد عدول، فإذا أضفت للفرد العادل شرط التحرر من لا عدالة العقل، غدت الإشكالية أن الدولة الحديثة لا تعبر عن مكمونات ذواتها الفردية بل تنطق تجانساً مع العقل الذي هو عقدة الذات في تقرير وجودها بما يمكن الدولة من التجلي الظاهري.

العقل الأداتي يضاد العقل التواصلي وبيطله، فهو يعجز عن تحقيق الذات لذاتها من خلال تواصلها مع الذات المغايرة كشرط للذات نفسها لتحقيق وجودها الذاتي.

فالعدالة من هذا المنظار، هي إمكانية وقدرة على التواصل البيني؛ أي أن تعريفها مشتق من وظيفتها، فالحوار التواصلي بين الذات وذاتيتها من جهة، وبينها وبين الذات المغايرة من جهة أخرى هو قيد تحديد العدالة.

فالعدالة ليست إلا مسألة العلائق القائمة والممكنة بين الذات وذاتها وبين الذات والآخر المغاير لها في الذاتية. أي أنها فضيلة من زاوية الذات وحقوق من زاوية العلاقات البينية، تربط ما هو أخلاقي في الذات بما هو سياسي في العلاقات العملية، رغم أن التعريف السابق ذَا مضامين فلسفية لا تستلزم ضمانها لإجراءات سياسية عملية تعبر بها عنها، دون التوسع في تعريفات العدالة لغوياً ومفاهيمياً، نكتفي بما يجمعها جميعاً، فالعدالة تطلق على الأشياء والأشخاص.

  • الأشياء: كل ما هو مطابق للحق، طبيعياً كان أم وضعياً.
  • الأشخاص: كل منصف في حكمه متجرداً من أهواءه وتحيزاته، أي أنها صفة يتجرد بها صاحبها من كل ما يعيق إنصافه من صفات فردية أنانية تنحاز بطبعها في الأحكام.

فكل من يتجرد من صفات الأنانية المعبرة عن الأنا الفردي - وهذه غير الذات فلسفياً التي أتحدث عنها - في حكمه على المخالف والمغاير له فهو عادل. لكن من الضروري التنبيه فلسفياً أن العدل كإنصاف قضية غالباً حسية وليست مسألة عقلية ومنطقية. وعلة جعله حسياً هو تلقائية الرد في حكمه الفوري، يبلغ به مستوى البداهة في وضوحه وموقفه من الظلم، وعليه فهو خلاف العدل القانوني في تقرير أحكامه، دونه مرتبة لكنه أكثر منه نجاعة وفاعلية وسهولة، لأن الذات يمكنها تخيل وتصور الذات المغايرة أو الآخر الذي يعاني من اللاعدالة، كما يمكنها رؤية ذاتها كذات مغايرة من زاوية الآخر على ذات القدر الذي ترى فيه ذات الآخر كذات لديها.

************

أختم بتساؤل: كل ذاتية هي تعبير عن مركزية الإنسان في الوجود، والحداثة وما بعدها تجاوز لهذه المركزية ذاتها، لكن الحداثة في الآن نفسه تقوم على مركزية الذات وهذا لا يكون بنفي مركزية وجوده في العالم.

الكاتب

محمود أبو دخان

محمود أبو دخان باحث مهتم بالفكر الإنساني والإسلامي