منهج التفكير في القرآن الكريم

أمرنا الله تعالى التدبر في كتابه العزيز ومن خلاله أمرنا بالتدبر في الكون وخلقه وشؤونه. وهذا الأمر أتى في سياق استفهام النفي الاستنكاري {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]. فالحالة الفكرية السلبية مؤشر على الحالة الإيمانية السلبية. ليس المقصود من التدبر، التدبر الإيماني المحض لأن ذلك من ضرورات تصحيح العقيدة ومن مقوماتها، إنما المطلوب التفكر العقلي الخالص والتأمل الذهني العميق الذي يفضي إلى الكسب المعرفي الصحيح.

القرآن الكريم يعيد الاعتبار للعقل ويضعه في مكان خاص من خلال ثلاثة مستويات: المنطلق والمنهج والحقائق. في منطلقيه التأسيسيين: النسقي والتاريخي؛ يتمثل النسقي في أول ما نزل من القرآن الكريم "اقرأ"، والتاريخي في المكان الذي نزلت فيه "اقرأ". لحظة غار حراء هي لحظة تأمل عقلي خالص في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تكن لحظة عبادة إنما هي لحظة إعداد فكري وعلمي وتربوي ونفسي.    

أما المنهج فيتجلى في القصص الواردة في القرآن مثل قصة إبراهيم عليه السلام، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]. قوله تعالى لإبراهيم {أَوَلَمْ تُؤْمِن} ليس اعتراضاً استنكارياً على طلب إبراهيم عليه السلام حين طلب دليلاً عقلياً على قدرة الله تعالى بعدما رسخ الإيمان القلبي، فكان أن استجاب الله تعالى لذلك وهو الخالق للعقل تبييناً منه تعالى على حدود إصرار إبراهيم على الاعتراف بحق العقل في طلب الأدلة المادية الملموسة.

أما على المستوى الثالث، أي الحقائق، فالقرآن الكريم حريص على أن تكون المعارف العلمية حقة، والنص القرآني قائم بنفسه وما ادعى دعوى إلا وفيها دليل حق.

هذا هو المنهج القرآني في إعمال العقل الذي يصون الإيمان ولا يشكل خطراً عليه، فإعمال العقل التأملي فيه نجاة للإنسان، وهو نهج الأنبياء ونهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.